السكة – المحطة الفلسطينية
لم يعد غريباً أن يجد المتابع نفسه أمام خطاب إعلامي فلسطيني رسمي يكاد يتطابق، في كثير من مضامينه ومصطلحاته، مع الخطاب الإسرائيلي في توصيف المقاومة الفلسطينية. فحين يُقدَّم الفعل المقاوم على أنه “إرهاب”، وتُختزل المواجهة مع الاحتلال في معادلة “التهدئة مقابل الإعمار”، فإننا أمام تحوّل خطير يتجاوز حدود الاختلاف السياسي، ليمس جوهر الهوية الوطنية ومعنى النضال الفلسطيني ذاته.
هذا الانزلاق في اللغة والموقف، الذي تحدّث عنه الكاتب والمحلل السياسي معتصم حمادة، لم يعد مجرد اجتهاد إعلامي أو سقطة لغوية. بل أصبح اتجاهاً متعمداً لدى بعض الأصوات المحسوبة على السلطة، ممن يظهرون على الفضائيات وفي البيانات الرسمية وهم يحمّلون المقاومة مسؤولية ما يتعرض له الفلسطينيون من جرائم إسرائيلية؛ من قتل واعتقال وتجريف واستيطان. وكأن المشكلة ليست في الاحتلال، بل في من يقاومه.
تطابق سردي مقلق
حين يصوَّر المقاوم على أنه مهدِّد للاستقرار، وتُقدَّم إسرائيل كأنها “تردّ” على “استفزازات”، فإننا أمام خطاب فلسطيني يكرّس رواية الاحتلال، ويمنحه غطاءً دعائياً لم يكن يحلم به. فالمعادلة التي يروّجها الإعلام الإسرائيلي منذ عقود — “المقاومة تجلب الدمار للفلسطينيين” — باتت تتردد على ألسنة محللين ومسؤولين في إعلام السلطة دون وعي بخطورتها على الوعي الجمعي الفلسطيني.
هذا التطابق بين الروايتين لا يعبّر فقط عن أزمة مهنية في الإعلام الرسمي، بل عن أزمة استراتيجية في التفكير السياسي للسلطة. فبدلاً من توظيف الإعلام كأداة مقاومة ناعمة تعزز الصمود وتواجه الدعاية الإسرائيلية، تحوّل إلى منصة لتبرير العجز السياسي، وتصدير فشل الخيارات التفاوضية على حساب المقاومة.
فقدان البوصلة الوطنية
يبدو أن السلطة، في سعيها للحفاظ على موقعها التفاوضي أو إرضاء بعض الأطراف الدولية، تغامر بما تبقّى من رصيدها الشعبي. فاستمرار مهاجمة المقاومة، في وقت تتصاعد فيه الاعتداءات الإسرائيلية والاستيطان والاقتحامات اليومية، يجعلها في مواجهة مباشرة مع الشارع الفلسطيني الذي يرى في المقاومة، مهما اختلف حولها، صمام الأمان الأخير أمام التهويد والاقتلاع.
إن تحميل المقاومة مسؤولية جرائم الاحتلال ليس “نقاشاً وطنياً” كما يحاول البعض تصويره، بل تطبيع لغوي وسياسي مع مفردات العدو، يفرغ النضال الفلسطيني من معناه الأخلاقي والسياسي. ومن يظن أن شيطنة المقاومة طريق للسلام أو للاستقرار، يتجاهل حقيقة أن الاحتلال لا يحتاج مبرراً لمواصلة جرائمه، وأن كل التجارب السابقة أكدت أن الضعف لا يجلب إلا مزيداً من العدوان.
إعادة إنتاج رواية الاحتلال
الخطاب الإعلامي الرسمي الذي يتبنى مفردات الاحتلال — مثل “المسلحين”، “الخطر على المدنيين”، “ضرورة ضبط السلاح” — لا يكتفي بإضعاف روح المقاومة، بل يعيد إنتاج السردية الإسرائيلية في الوعي الفلسطيني ذاته. وهنا تكمن خطورته: أن يصبح الفلسطيني ذاته مروّجاً لخطاب العدو، من حيث يدري أو لا يدري.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد انقسام سياسي بين سلطة ومقاومة، بل هو صراع على المعنى: هل ما زال الاحتلال عدواً؟ وهل تبقى المقاومة حقاً مشروعاً؟ أم أننا أمام مرحلة يُعاد فيها تعريف الوطنية على مقاس المانحين والوسطاء؟
في الحاجة إلى مراجعة عميقة
ما تحتاجه السلطة الفلسطينية ليس مزيداً من الحملات ضد المقاومة، بل مراجعة جذرية لدورها الإعلامي والسياسي. فالإعلام الوطني يجب أن يكون منبراً للوعي والكرامة، لا صدى لخطاب الاحتلال. ومن غير المقبول أن يتحول من وسيلة لحماية الهوية الفلسطينية إلى أداة تبرر القمع الداخلي وتجمّل التنسيق الأمني.
إن أي سلطة تفقد صلتها بشعبها تفقد مشروعيتها، وأي إعلام يتخلى عن قضيته يتحول إلى صدى للآخرين. والمفارقة أن المقاومة، رغم الحصار والضربات، ما زالت تحافظ على حضورها في وجدان الفلسطينيين، بينما تتآكل شرعية من يهاجمونها باسم “الواقعية السياسية”.
خاتمة
في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: إذا كانت السلطة منشغلة بمخاصمة المقاومة داخلياً، فكيف ستواجه الاحتلال فعلياً في الميدان؟ وكيف ستحمي الفلسطينيين في الضفة الغربية وهي تتبنى خطاباً يبرر قمع من يدافعون عنهم؟
إن استعادة البوصلة الوطنية تبدأ من الإعلام، من الكلمة التي تُقال بصدق وكرامة، لا بتقليد رواية العدو. فحين يتحدث الفلسطيني بصوت الاحتلال، يفقد الو

