السكة – محطة المقالات
يبدو أن محمود عباس قرر أن يدخل التاريخ… ولكن من الباب الخطأ.
خرج الرجل من لقائه مع ماكرون حاملاً “هدية” للشعب الفلسطيني: لجنة فرنسية–فلسطينية لصياغة الدستور.
نعم، لم تقرأ خطأ:
صار مستقبل فلسطين يُكتب الآن في الديوان الفرنسي، بينما الفلسطينيون مجرّد متفرجين ممنوعين من لمس الورق.
عباس، الذي لم يعد يملك شرعية محلية، قرر أن يعوّضها بشرعية معلبة من باريس؛ شرعية تأتي بنفس الطريقة التي تأتي بها زجاجة “عطر فرنسي فاخر”: من مطار شارل ديغول إلى المقاطعة مباشرة.
وصاية بطعم الشوكولاتة الفرنسية
السلطة تقول: “تعاون قانوني”.
جميل. فليشرح لنا أحدهم كيف تتحول “الاستشارة الفنية” إلى مشاركة فعلية في كتابة دستور دولة كاملة؟
كيف يتحول الخبير إلى القيّم، والضيف إلى مالك البيت؟
كأننا أمام نسخة سياسية من فيلم كوميدي عبثي:
فرنسا تعطي الدستور، وعباس يعطي الموافقة، والشعب… يعطيهم ظهره لأنه آخر من يعلم!
الدستور يُكتب للشعوب… لا للزوّار الأجانب
في كل الدنيا، الدستور هو العقد الاجتماعي الأسمى.
لكن عند السلطة الفلسطينية، أصبح “ملفًا قابلًا للتدويل”، مثل قضية السياحة أو تصدير الزيتون.
اليوم تريد فرنسا أن تضع بصمتها على شكل الحكم الفلسطيني، وغدًا قد نراها تختار لنا:
– اسم العاصمة،
– شكل النظام،
– وربما لون علم الدولة الجديدة أيضاً… إن بقيت دولة!
ماكرون نفسه لم يكتب دستور فرنسا، لكنه جاء ليشارك في كتابة دستور الفلسطينيين!
إذا كان هذا ليس “وصاية”، فما هي الوصاية إذن؟ عزف أوبرا؟
عباس… الرجل الذي يسابق الزمن لفرض أمر واقع على وطن كامل
الدهشة ليست من فرنسا.
الدول الكبرى دائمًا كانت تعشق لعب دور “المربي السياسي” للشعوب الضعيفة.
لكن الدهشة من الرجل الذي فتح لها الباب.
عباس، الذي حوّل المؤسسات الوطنية إلى ديكور فاقد المعنى، يأتي اليوم ليُسلّم أدق وثيقة في حياة الفلسطينيين لدولة أجنبية… فقط لأنه يحتاج “رصيدًا سياسيًا خارجيًا” بعد أن فقد رصيده في الداخل منذ أكثر من عقد.
هو يعرف أن الشعب لن يمنحه شرعية جديدة، فيبحث عن شرعية بديلة في الخارج.
فالشارع لا يصفّق له، فينتظر التصفيق من الإليزيه.
وطن كامل مقابل دعم سياسي… صفقة غير مكتوبة لكنها واضحة
القصة ليست تعاونًا.
القصة تبادل مصالح:
– فرنسا تريد نفوذًا في الساحة الفلسطينية،
– وعباس يريد شهادة “حسن سلوك ديمقراطي” ليقدّمها للعالم كلما سئل عن الشرعية.
وماذا عن الفلسطينيين؟
لا مشكلة… فهم آخر من يتم استشارتهم!
تمامًا كما يحدث في كل ملفات السلطة.
مستقبل وطن… في حقيبة دبلوماسي أجنبي
هل يعقل أن يكتب دستور دولة تحت الاحتلال… وبإشراف دولة أوروبية؟
هل يُعقل أن تتجاوز السلطة كل الفصائل، وكل الشعب، وكل مؤسساتها المعطلة، ثم تعطي فرنسا مفتاح صياغة “هوية الدولة”؟
إذا كان الدستور سيأتي من باريس، فلماذا لا ننقل المجلس التشريعي إلى شارع الشانزليزيه وننتهي من الموضوع؟
خلاصة ساخرة… لكنها مؤلمة:
محمود عباس لم يفتح باب “التعاون القانوني”، بل فتح باب الوصاية السياسية على مصراعيه.
وفرنسا لم تأتِ لدعم الفلسطينيين… بل لدعم نفوذها، وترميم صورة عباس دوليًا.
أما الشعب الفلسطيني، فهو وحده من يدفع الثمن:
ثمن سلطة لا تستشيره،
ودولة أجنبية تريد رسم مستقبله،
ودستور يُكتب بيدٍ ليست يده.
هذا ليس دستورًا… هذا إعلان خارجي عن نهاية السيا

