السكة – محطةً الجاليات العربية
في فضيحة غير مسبوقة تهزّ منظومة التعليم والرفاه في السويد، تكشف التحقيقات عن شبكة إسلاموية استغلّت نظام المدارس الخاصة لتحصل على أكثر من مليار كرون من أموال دافعي الضرائب، قبل أن يهرب قادتها إلى الخارج تاركين وراءهم ديوناً ضخمة وملفات جنائية معقّدة.
القضية التي وُصفت بأنها “ضربة مزدوجة لأموال الرفاه”، تكشف عن واحدة من أخطر عمليات الفساد المنظّم التي اخترقت قلب المؤسسات التعليمية في البلاد، وتثير أسئلة كبيرة حول الرقابة، والمسؤولية، ومصير الأموال التي تبخّرت خارج الحدود
في واحدة من أخطر قضايا الفساد التي تضرب قطاع التعليم الخاص في السويد، كشفت صحيفة “إكسبريسن” السويدية عن شبكة متشابكة من أفراد وشركات ومؤسسات تعليمية استطاعت على مدى سنوات أن تحصل على أكثر من مليار كرون من أموال دافعي الضرائب، قبل أن تبدأ خيوطها بالانهيار ويتضح أن عدداً من قادتها الرئيسيين فرّوا إلى خارج البلاد تاركين وراءهم ديوناً ضخمة، وملفات جنائية مفتوحة، وشبهات بتحويل أموال عامة إلى الخارج.
هذه القضية، التي وصفتها النيابة السويدية بأنها “ضربة مزدوجة للرفاه الاجتماعي”، تكشف عن ثغرات خطيرة في نظام المدارس الخاصة (Friskolor) وعن قدرة مجموعات ذات توجهات دينية متشددة على استغلال النظام لتحقيق مكاسب مالية هائلة، في ظل رقابة اعتبرها مراقبون بأنها كانت “متأخرة جدًا”.
أولاً: خيوط شبكة متعددة المستويات
مدارس وروضات… بواجهة تعليمية ومضمون مالي
ضمّت الشبكة مؤسسات تعليمية في عدة مدن سويدية، أبرزها:
- Vetenskapsskolan في غوتنبرغ
- Nya Kastets skola في يافله
- سلسلة روضات منها Bilaal و Lär och Lek
وعلى الرغم من اختلاف مُلّاك المدارس والشركات على الورق، إلا أن التحقيقات كشفت عن ترابط عائلي ومالي بين المشغلين، حيث تنتقل الأموال بين الشركات عبر فواتير داخلية، واستشارات وهمية، وتحويلات خارجية.
هذه الشبكة عملت بطريقة “السلسلة المتصلة”:
أشخاص من خلفية دينية واحدة، بعضهم أئمة في مساجد معروفة بتوجهاتها المتشددة، والبعض الآخر مستشارون ماليون أو مدراء سابقون في مدارس أُغلقت بسبب مخالفات، ومع ذلك عادوا للظهور بأسماء جديدة.
ثانياً: ثغرة النظام التعليمي السويدي – فرصة مفتوحة للاستغلال
يعتمد نموذج المدارس الخاصة في السويد على تمويل حكومي كامل لكل تلميذ، سواء في مدارس حكومية أو خاصة. هذا التمويل كان البوابة التي استغلّتها الشبكة بصورة ممنهجة.
كيف تم ذلك؟
- الحصول على ترخيص مدرسة أو روضة عبر شركات “نظيفة” اسميًا
— مع تقديم أوراق مطابقة للمعايير القانونية. - تسجيل أكبر عدد ممكن من التلاميذ
— وبالتالي ضمان تدفق ثابت من الأموال شهريًا. - فتح شركات خدمات مرتبطة بالمدرسة
— تنظيف، طعام، صيانة، استشارات… إلخ. - تحويل أرباح خرافية لهذه الشركات “التابعة”
— رغم أن كثيرًا منها لم يقدم خدمات فعلية. - سحب الأموال نقدًا أو تحويلها إلى الخارج
— عبر مالطا، تركيا، مصر، والسعودية.
تصف النيابة السويدية هذا النمط بأنه:
“استغلال مُحكم لنظام مبني على الثقة”.
ثالثاً: الشخصيات المحورية… وأدوار متشابكة
1. عبد الناصر النَّدِي – الوجه الأبرز في الشبكة
إمام سابق ورئيس لعدة مدارس.
كشفت التحقيقات عن:
- تحويل 4.2 مليون كرون إلى حساب في مالطا
- ديون ضريبية تتجاوز 5 ملايين كرون
- مغادرته السويد إلى مصر قبل بدء الإجراءات القانونية
كان النَّدِي هو “الاسم المظلة” الذي أدارت تحته الروضات والمدارس أعمالها.
2. أبو رعد – الإمام الذي اعتبرته الاستخبارات “تهديدًا للأمن القومي”
برز اسمه عندما أصدرت المخابرات السويدية SÄPO تحذيرات بشأن نشاطه وتأثيره في يافله.
رغم ذلك، كانت مدارس مرتبطة به أو بأبنائه تحصل على تمويل حكومي ضخم.
غادر السويد فور بدء التحقيقات الموسعة.
3. ربيع كرم – من إدارة المدارس إلى المحاكم
شريك مؤسس في مدرستي Vetenskapsskolan و Nya Kastets.
أُدين لاحقًا في قضايا تتعلق بالتزوير المحاسبي، وتلاحقه ديون ضريبية بنحو 5 ملايين كرون.
تؤكد الشرطة أنه يعيش اليوم في مصر.
4. محمد الكطراني – العقل المالي للشبكة
مستشار مالي يُعتقد أنه مسؤول عن وضع الهياكل التي سمحت بتحويل الأموال بين الشركات.
ورغم إدانته ومنعه من مزاولة العمل، احتفظ الكطراني بنشاطه في عدة شركات وفق سجلات رسمية.
يوصف بأنه “المهندس الفعلي للمخطط المالي”.
رابعاً: أين ذهبت الأموال؟
تُظهر الوثائق أن مبالغ كبيرة صُرفت في:
- رحلات خارجية لأفراد من الشبكة
- سحوبات نقدية غير مبررة
- تحويلات إلى منظمات ذات توجهات متشددة
- مصاريف فاخرة تشمل تذاكر سفر ومطاعم فاخرة
- شركات وهمية أنشئت خصيصًا لامتصاص التمويل الحكومي
كما ظهرت اتهامات – ما تزال قيد التحقيق – حول استخدام جزء من أموال البنود التعليمية في:
- تمويل حملات سياسية خارج السويد
- تحويلات إلى دول ذات مخاطر مالية عالية
- غسل أموال عبر شركات صغيرة ذات دور محدود
خامساً: انهيار الشبكة… وإجراءات الدولة المتأخرة
بين 2018 و2022، بدأت عمليات الإغلاق والتفتيش، لكن كل إغلاق كان يكشف عن مؤسسة أخرى مرتبطة بالشبكة.
وبحلول 2024، كانت:
- عشرات القضايا مفتوحة في النيابة
- عدد من الإدارات مغلقة
- شخصيات محورية قد غادرت السويد بالفعل
تصريح النيابة السويدية
قال هنريك فاغر، رئيس ادعاء الجرائم الاقتصادية:
“هذه واحدة من أكبر عمليات استنزاف أموال الرفاه الاجتماعي… كل خيط في القضية قاد إلى جريمة جديدة.”
سادساً: ماذا تقول الدولة الآن؟
تتجه الحكومة السويدية لتشديد الرقابة على المدارس الخاصة بعد أن أثبتت هذه القضية وجود:
- ضعف في التفتيش الميداني
- اعتماد مبالغ على التصاريح الورقية
- قدرة مدارس على العمل رغم مخالفات خطيرة
- غياب نظام تتبع للتحويلات المالية
مسؤولون في مصلحة المدارس السويدية قالوا صراحة:
“كان يمكن منع جزء كبير مما حدث لو كانت لدينا أدوات رقابية أقوى في ذلك الوقت.”
سابعاً: ما الذي سيحدث لاحقًا؟
المصادر القضائية تشير إلى أن:
- لوائح اتهام جديدة ستصدر
- قضايا تهرب ضريبي واسعة قيد التنفيذ
- اتصالات مع السلطات الدولية لاسترداد أموال محوّلة للخارج
- احتمال تجميد أصول ما تزال داخل السويد
بينما يرى خبراء أن القضية قد تصبح نقطة تحول في تاريخ التعليم الخاص السويدي.
القضية لا تتعلق فقط بمدارس أُغلقت أو أفراد فرّوا، بل تكشف عن ثغرة في نظام مبني على الثقة، تمكّنت عبرها شبكة ذات توجهات دينية متشددة من الحصول على تمويل عام ضخم ثم تهريبه إلى الخارج، في واحدة من أكبر قضايا استنزاف المال العام في السويد.

