الخميس, أبريل 16, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالأزمة العميقة في الجيش الإسرائيلي: انهيار الثقة وتراجع الرغبة في الخدمة

الأزمة العميقة في الجيش الإسرائيلي: انهيار الثقة وتراجع الرغبة في الخدمة

السكة – محطة المقالات 
ثامر سباعنة – فلسطين 

يواجه الجيش الإسرائيلي اليوم واحدة من أخطر الأزمات البنيوية منذ تأسيسه قبل أكثر من سبعة عقود، وهي أزمة لا تقتصر على ساحات القتال أو جبهات المواجهة المشتعلة، بل تمتد إلى عمق المؤسسة العسكرية نفسها وإلى المجتمع الإسرائيلي الذي يُفترض أن يمدّها بالجنود والدعم المعنوي واللوجستي. فالأزمة الحقيقية ليست فقط في تعدد الجبهات من غزة إلى لبنان وسوريا وصولًا إلى الضفة الغربية، بل في الإنسان الذي يُفترض أن يحمل السلاح ويقود تلك المعارك.

بهدوء بعيد عن ضجيج الإعلام، تتشكل معادلة مقلقة داخل المؤسسة العسكرية: تراجع حاد في الرغبة بالاستمرار في الخدمة الدائمة، وزيادة غير مسبوقة في حالات الاستنزاف الوظيفي بين الضباط والجنود، وتنامٍ ملحوظ في موجات التسرب والرحيل. هذه التطورات تضرب تحديدًا النواة المهنية التي يُفترض أن تشكّل “عمود الجيش” في السنوات المقبلة، أي الضباط ذوي الخبرة، وقادة الوحدات، وأصحاب المهارات العملياتية العالية.

وفي الوقت الذي تتطلب فيه الظروف الحالية ضخّ قوة بشرية إضافية، فإن الجيش يعاني من عجز كبير. فوفق التقديرات، يحتاج الجيش الإسرائيلي اليوم إلى نحو 7500 جندي إضافي، إضافةً إلى عدد مماثل من الداعمين القتاليين، لتغطية احتياجات العمليات المستمرة في غزة ولبنان وسوريا، وكذلك لإدارة 21 كتيبة عاملة في الضفة الغربية. لكن الواقع يُظهر أن الجيش لا يجد من يرفده بهذه الأعداد، وأن الهوة بين الحاجة والمتاح تتسع بشكل خطير.

ومن بين مظاهر هذه الأزمة أيضًا تفاقم الاعتماد على ما يُعرف بـ”قانون التهرب من الخدمة”، الذي روّجته الحكومة بوصفه حلاً لأزمة القوى البشرية. إلا أن هذا القانون، كما يرى كثير من المحللين والخبراء العسكريين، ليس سوى خدعة سياسية تهدف إلى تهدئة الرأي العام وإظهار أن الحكومة تملك حلولًا تنظيمية، بينما الواقع يؤكد أن هذا القانون لم ينجح في سدّ الفراغ، بل عمّق الشرخ داخل المجتمع الإسرائيلي بين من يخدم ومن يتهرب، وبين الفئات الدينية والعلمانية، وبين مكوّنات المجتمع المختلفة.

تأتي هذه الأزمة في وقت يُواجه فيه الجيش تحديات غير مسبوقة على المستويات كافة: استنزاف في غزة، تصاعد التوتر على الحدود الشمالية، ازدياد العمليات في الضفة الغربية، وتدهور الجاهزية في الجبهات البعيدة مثل سوريا. ومع ارتفاع الخسائر واتساع فجوات الأداء، بات واضحًا أن المشكلة لم تعد تقنية أو لوجستية، بل أزمة ثقة وشرعية ومناعة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

إن تراجع الحافزية لدى الجنود والضباط، ومغادرتهم الخدمة في لحظة يُفترض أن تكون الأكثر حساسية، يعكس حالة من فقدان الإيمان بجدوى الحرب، وتآكل الثقة بقيادات سياسية وعسكرية تعيش حالة ارتباك دائم. ومع غياب رؤية استراتيجية واضحة، وازدياد الشعور بأن القيادة تستنزف الجنود دون أفق لنهاية العمليات، تتفاقم الأزمة وتتحول إلى تهديد وجودي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

في المحصلة، يمرّ الجيش الإسرائيلي بأخطر أزمة بشرية ومهنية في تاريخه، أزمة تكشف حدود القوة وتفضح هشاشة المنظومة العسكرية التي طالما روّجت لنفسها باعتبارها “الجيش الأقوى في المنطقة”. لكن ما لم تستطع دباباته وطائراته تحقيقه على الأرض، لن تُعوّضه قوانين أو تصريحات. فالأزمة في جوهرها أزمة إنسان، وثقة، ومجتمع، قبل أن تكون أزمة جيش.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا