الأربعاء, أبريل 15, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالضياع والتيهه بين رغبة جامحة وواقع مزيف أليم ..

الضياع والتيهه بين رغبة جامحة وواقع مزيف أليم ..

السكة – محطة المقالات – عبدالله شقير رئيس التحرير

إن الناظر في واقع الأمة العربية بكل أطيافها يشعر بالأسى على ضياع الهوية فيها، وعلى فقدان الأولية في عيشها وفي حاضرها ، ذلك بعد أن ألقت بماضيها خلف ظهرها – الذي أصبحت تثبت الأحداث الجارية وتَجَلّي أخلاق كثير من الأمم المنفلتة من الأخلاق أن ماضينا كان حقا وأنه كان مثال التقدم في الخلق والحق والدين – تلك الطائفة المضيعة لكيانها التي أنكرت فيه الاستقامة، وما تخلت عنه وعن عاداتها وقِـيَمها إلا متذرعة بذرائع قد يصح بعضها ، ولكن أكثرها لا يصح ولا يستقيم ، أصبحنا تائهين نتمسك ببوصلة لا تهدينا إلى طريق قويم ، بل وصار كثير منا يكره الطريق المستقيم إن كان ذِكرُه سيعيدنا إلى التمسك بعادات وموروث يذكرنا بهويتنا التي تخلينا عنها بملء إرادتنا رغبة منا في التخلص مما صرنا نراه عارا ، لنغمس أنفسنا في حضارات أمم أخرى ظانين كل الظن ومؤمنين بيقين ألزمنا به أنفسنا بتفوقها في العلم الذي يُعَدّ منارة في التحضر والتطور .

أُمسِكُ قلمي متألما وأنا ألمس في العنصر العربي مفارقات جعلته منفصلا عن حقيقته ، تائه بين الرغبة والواقع ، يعيش بعبثية مفرطة ، لا يستطيع أن يصمت حين يلزم الصمت ، ولا يهتدي سبيلا في مكابدة الكروب .

إن الواقع الذي ندركه بالوعي إن لم يجردنا من ثقل الحقيقة التي نراها ونلمُسها ونعيشها بلا زيف ولا رياء وتجلي لنا حقيقتنا الزائفة تصبح ثقلا إضافيا لا يُعوّل عليه .

في ظل معاناة العرب المسلمين في الوقت الحاضر من الحروب التي التهمت بلادهم وسُفِكتْ فيها دماءُ أكبادهم وأولادهم وذراريهم وأهليهم يبالغ كثير منا في التعبير عن الفرح إذا ما عترانا الفرح ، لا يستقيم فينا ميزان بين الفرح والحزن ، نميل كل الميل إذا ما فرحنا بعارض يزول وننسنا أحزانَنا التي طالت بنا وستطول ، نخلط بين ثوابتنا وتقاليدنا التي تلزمنا الحدود وبين حرية مزيفة يفرضها علينا واقع مزيف، وبيئة جديدة زائفة نحن أدعياء عليها شئنا أم أبينا ، فلا حظ لنا فيها كعرب ولو ألقينا عن عاتقنا كل أثواب الدّين .

من الجميل أن يتأهل العراق إلى كأس العالم ، فكل العرب فرحوا بهذا التأهل كفرحنا الفطري الذي يصيبنا رغما عنا إذا ما تأهل أي منتخب عربي بمنأى عن أصحاب الهوى ، ولكن من الموجع أن يلتهمنا الفرح ويغزونا السرور وتعترينا غبطة لا تنتهي تفضي إلى الاحتفال بهذا التأهل مرات ومرات ومرات ، متناسين أخوة لنا قتلوا في غزة والعراق وفلسطين وسوريا وغيرها ، ولا يزالون يُقتّلون في لبنان في اعتداء غاشم لا يتعرض له العرب – مع الأسف – ولو بذكر قليل كحالهم في الندوات واللقاءات الرياضية التي لا تنتهي من موائد التلفزيون ويطول بثها ويطول ثم يطول .

الإسلام لا يحرّم الفرح أو الاحتفال بإنجازات مشروعة مثل التأهل لكأس العالم ، فالفرح أمر فطري ، وقد فرح المسلمون في مواقف كثيرة عبر التاريخ ، ولكن الإسلام يدعو إلى الاعتدال وعدم المبالغة ومراعاة أحوال الآخرين وعدم الانشغال الكامل عن قضايا الأمة .

قال تعالى: ” ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين”

فالمشكلة ليست في الفرح نفسه، بل في الإسراف والمبالغة، خاصة عندما تتحول الاحتفالات إلى إنفاق مبالغ كبيرة بلا داعٍ وتجاهل تام لمعاناة الآخرين ، متناسين البعد الإنساني في ديننا والذي يحض على التعاطف مع المظلومين ، وما أكثر المظلومين في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن وكثير من بلادنا العربية التي تصطلي بنار القهر في كل حين .

نعم ، الفرح الجماعي قد يرفع المعنويات ويعطي الناس متنفسًا يخفف الهموم ، ويخفف ثقل الحروب وأوزارها في مثل هذه الأوقات الصعبة ، ولكن على ألا يتحول الفرح إلى انفصال كامل عن الواقع ، وأن نلتزم بثوابتنا وقيمنا التي أصبحنا نراها تضيع في كل محفلٍ وسط عُريّ وإسفاف دَعيّ على قيَمِنا وديننا ، مما جعلنا تائهون بين الحضور والضياع ، متشبثين بقِيـمٍ ليست لنا وبأحلام غيرنا ، نفر من كل ما يجمّل ماضينا وأمر ديننا فأصبحنا أمة لا تعقل ولا تهتدي سبيلا .

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا