السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
لم تكن قضية الأسرى في يومٍ من الأيام قضية سياسية عابرة، بل هي جرحٌ إنساني عميق يمسّ كرامة الأمة كلها، ويختبر صدق انتمائها لقيمها الدينية والتاريخية. واليوم، في ظل ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال من انتهاكات متصاعدة، يبرز سؤال ملحّ: أين دور العلماء المسلمين؟ وأين موقف الأمة التي طالما تغنّت بنصرة المظلوم وفكّ قيد الأسير؟
لقد وضع الإسلام قضية الأسرى في مكانة عالية، وجعل تحريرهم واجبًا أخلاقيًا ودينيًا لا يقبل التأجيل أو التهاون. ويكفي أن نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فُكّوا العاني”، والعاني هو الأسير، لندرك أن هذا التوجيه النبوي لم يكن مجرد توصية، بل تكليف مباشر يحمل في طياته مسؤولية جماعية. فهذا الحديث يعكس رؤية إسلامية واضحة تعتبر حرية الإنسان وكرامته من أولويات الأمة.
وعبر التاريخ الإسلامي، لم تكن قضية الأسرى تُترك للظروف أو التوازنات السياسية، بل كانت من أولى القضايا التي تتحرك لها الدولة والعلماء والعامة. فقد عُرف عن الخلفاء والقادة أنهم كانوا يخصصون الأموال، ويعقدون الصفقات، بل ويخوضون المعارك لتحرير أسير واحد. وكان العلماء في تلك الفترات صوتًا حيًا يذكّر الأمة بواجبها، ويحرّك الضمائر نحو نصرة المظلومين.
أما اليوم، فإن الواقع يبدو مختلفًا ومؤلمًا. فالأسرى الفلسطينيون يعيشون ظروفًا قاسية، بين التعذيب، والإهمال الطبي، والعزل، وحرمان أبسط الحقوق الإنسانية. وفي ظل هذا الواقع، جاء تصعيد الاحتلال عبر سنّ قوانين خطيرة، كان آخرها ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين”، في خطوة تعكس استغلالًا واضحًا لحالة الضعف والانقسام التي تعيشها الأمة الإسلامية.
إن هذا القانون لم يكن ليظهر بهذه الجرأة لولا إدراك الاحتلال أن ردود الفعل ستكون محدودة، وأن حالة التشتت العربي والإسلامي توفر له غطاءً غير مباشر للمضي قدمًا في سياساته القمعية. وهنا يتجلى التقصير، ليس فقط على مستوى الأنظمة، بل أيضًا على مستوى النخب الفكرية والدينية، وفي مقدمتهم العلماء.
فالعلماء اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بأن يستعيدوا دورهم الحقيقي، لا كناقلين للمعرفة فقط، بل كقادة رأي ومحرّكي وعي. المطلوب منهم أن يرفعوا صوتهم عاليًا، وأن يبيّنوا للناس خطورة ما يحدث، وأن يربطوا بين النصوص الشرعية والواقع المعاش، وأن يعيدوا إحياء مفهوم “فكّ العاني” في وجدان الأمة.
كما أن دورهم لا يجب أن يقتصر على الخطاب، بل يتعداه إلى الفعل، من خلال دعم المبادرات الحقوقية، وتحفيز المجتمعات على التفاعل، والضغط بكل الوسائل المشروعة لنصرة الأسرى. فالصمت في مثل هذه القضايا ليس حيادًا، بل هو شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الأمة من مسؤوليتها. فالأمة التي كانت يومًا ما تقف صفًا واحدًا لنصرة أسير، أصبحت اليوم منشغلة بقضاياها الداخلية، غارقة في خلافاتها، بعيدة عن أولوياتها الكبرى. وهذا التراجع هو ما أتاح للاحتلال أن يتمادى، وأن يحوّل الأسرى إلى رهائن بلا صوت.
إن استعادة الدور الحقيقي للأمة يبدأ من استعادة الوعي، ومن إعادة الاعتبار لقيمنا الإسلامية التي جعلت من نصرة المظلوم واجبًا لا خيارًا. وقضية الأسرى ليست مجرد ملف سياسي، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزامنا بتعاليم ديننا، وبإنسانيتنا قبل كل شيء.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نكتفي بالحزن والتعاطف، أم نرتقي إلى مستوى المسؤولية التي حمّلنا إياها ديننا وتاريخنا؟

