الأربعاء, مايو 20, 2026

الأكثر

أنت حُرّ ..

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

طفولة في الغربة.. وحلمٌ يكبُر

كبرتُ وفي وعيي نصيحة تتردد دائماً بأن “الدموع ليست للرجال”، وأن الرجل الحقيقي لا يبكي. هكذا نشأنا في بلادنا، نألف الدموع في عيون النساء ونستنكرها على الرجال. أذكر في صغري أني سألت والدي ببراءة: “لماذا لا تبكي يا أبي؟” فنظر إليّ باستغراب، وتلعثمت الكلمات في فمه قبل أن يقول بنبرة غاضبة ومؤثرة: “سأبكي عليك يا بني”.

عشت طفولتي ببراءة تامة، دون هموم أو تفكير في المستقبل. كان والداي يغرسان في داخلي دائماً أننا نعيش في بلاد غربة، وأن وطننا هناك.. تحت الاحتلال. كلما أطلّت فلسطين في نشرة أخبار أو تصدّرت صفحة صحيفة، أشارا إليها قائلين: “هذه فلسطين.. هذه بلادنا”. كبرت وكبر في داخلي حبّ أرضٍ لم أرها، بل سمعت عنها في حكايا الأهل وأناشيد الثورة القديمة التي كنت أستمع إليها دون أن أدرك كامل معانيها. كنت أعيش غريباً، بل أجنبياً، في أرض عربية وبين أهلها العرب!

ثم دارت الأيام وتغيرت الأحوال، واحتُلّت البلاد التي كنا نسكنها، فكُتب علينا شتاتٌ جديد وغربة أخرى. حملنا آلامنا ورحلنا إلى أرض جديدة، وكأن قدر الفلسطيني أن يظل حاملاً حقيبته، متنقلاً في أرض الله، لا يجد مستقراً ثابتاً إلا في قبره.

العودة إلى ثرى الوطن

وصلنا إلى بلاد قريبة من فلسطين، فصرت أستنشق نسيم الوطن، واشتعل الشوق في قلبي أكثر من أي وقت مضى، حتى جاءت اللحظة المنتظرة: “أنا عائد إلى وطني!” .

جمعت أحلامي قبل ملابسي وأغراضي، وانطلقت بمفردي نحو الوطن، تاركاً أهلي في بلاد الغربة (وإن كانت عربية). كان قلبي يرقص فرحاً لأنني أتحرك أخيراً نحو حلم طفولتي وأمنية عمري. وما إن حطت قدماي على أرض بلادي، حتى شعرت بروح جديدة تسري بين أضلعي، وبأن حياة حقيقية قد بدأت للتو.

التحقت بإحدى الجامعات الفلسطينية، وهناك نضج وعيي، وعرفت المعنى الحقيقي للانتماء للدين والوطن معاً.

عدت بالذاكرة إلى صغري، وتذكرت ارتيادي للمسجد، وانضمامي لفريق كرة القدم التابع له، والدروس والمواعظ التي كنت أحضرها ولم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري. أدركت في الجامعة أنني لم أكن أسير في درب عشوائي، بل كنت أواصل طريقاً اخترته واعتنقته منذ طفولتي.

لم تكن الحياة سهلة أو بسيطة، لكنها كانت جميلة وممتعة؛ فيها تعلمت الاعتماد على الذات وبناء النفس. كنت أستغل عطلتي الأسبوعية يومي الخميس والجمعة لأعمل بجد، فأجني أجراً يغطّي مصاريفي لبقية الأسبوع الجامعي. أذكر أنني كنت أسافر أحياناً في الحافلة ولا أملك في جيبي سوى أجرة الطريق، وثمن علبة لبن ورغيف خبز، يكونان عشائي ليلة الأربعاء، منتظراً صباح الخميس لأذهب إلى العمل. لا أنكر مشقة تلك الأيام، لكنني اليوم أتذكرها ببالغ الفخر والاعتزاز.

المواجهة الأولى والتحقيق القاسي

لم تطل سنوات حياتي في الوطن بعيداً عن عين العدو؛ فبعد أقل من عامين، حاصر جنود الاحتلال منزلي ليلاً واعتقلوني. كانت تلك المرة الأولى التي أقع فيها في الأسر. لا أنكر الرهبة والخوف اللذين تملّكاني حين استيقظت على فوهات البنادق المصوبة نحوي ونحو أخي الذي كان بجانبي. لكن الخوف لم يدم طويلاً، فقد كنت أتوقع هذا اليوم وأعددت له عدته النفسية؛ إذ كنت أحرص في الجامعة على الجلوس مع أي طالب مفرَج عنه من السجون لأستمع منه إلى حكايات الأسر والاعتقال، وأتعرف على أساليب التحقيق وخبايا المحققين. حتى إنني أثناء استجوابي في مراكز التحقيق، كنت أستحضر كلمات الإخوة وقصصهم، وكأن شريطاً سينمائياً مألوفاً يتكرر أمامي بالكلمات والمواقف ذاتها.

خضت خمسة وسبعين يوماً من التحقيق القاسي والمرير. استخدم المحققون معي أسلوب “الشبح المتواصل” والحرمان من النوم؛ حيث كانوا يجبرونني على الجلوس على كرسي قصير جداً، ويديّ وقدميّ مكبلة بالقيود، ورأسي مغطى بكيس من الخيش. كنت أمضي على هذا الحال أياماً طويلة لا يتركوني فيها إلا لتناول وجبات الطعام. كانت أياماً شديدة الوطأة، لكنني تسلحت بالصبر والتوكل على الله، وكنت أشعر دائماً بمعية الله تظللني وتظلل إخوتي المشبوحين حولي.

غرف العار.. ومصيدة “العصافير”

حين عجز الاحتلال عن انتزاع اعتراف مني بالتعذيب، لجأ إلى الخداع والمكر عبر أسلوب “العصافير” (وهم عملاء يُزرعون داخل الأسر يتظاهرون بأنهم معتقلون للإيقاع بالأسير ونزع اعترافاته). نقلوني إلى غرفهم بعد أن أوهموني بأنني حُوّلت إلى الاعتقال الإداري.

وهناك، في غرف العار، عشت حكاية أخرى وصراعاً نفسياً حاداً: هل أنا بين أسرى شرفاء أم سقطت في شباك العملاء؟ وكيف لي أن أكتشف حقيقتهم؟ لم يكونوا واحداً أو اثنين.. بل كانوا أربعة عشر شخصاً! .

لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى تكشّفت وجوههم القبيحة؛ إذ سارعوا بمحاصرتي بالأسئلة: “ما أسباب اعتقالك؟ ما تهمتك؟ من أنت؟ وما هو نشاطك في الخارج؟” التزمت الحذر وأجبتهم باقتضاب: “لقد اعلتقلت بالخطأ، ولا توجد ضدي أي تهمة”. ثارت ثائرتهم وظهر الغضب على وجوههم، ووجهوا إليّ تهديداً صريحاً: “اكتب لنا كل شيء.. معك نصف ساعة فقط، وإلا سنأخذ ما نريد منك بالقوة”.

لم أتردد ولم ينل التهديد من عزيمتي، فقلت لهم بثبات: “ليس لدي أي شيء لأقوله، وما تريدون فعله، افعلوه الآن”. جهزت نفسي سريعاً واقتربت من باب الحمام، ورسمت في عقلي خطة مواجهة على مبدأ (عليّ وعلى أعدائي)؛ سأستخدم الماء الساخن وعصا المكنسة و”المساحة” كسلاح في هذه المعركة الوشيكة.

لكن الانتظار لم يطل؛ إذ أطلّ الحارس الإسرائيلي بوجهه القبيح وطلب مني الخروج فوراً. قادني بسرعة إلى غرفة المحقق الذي كان قد جن جنونه، فبدأ بضربي وشتمي لأنني كشفت أمر “عصافيره” وجواسيسه، وهددني بإعادتي فعلياً إلى الاعتقال الإداري.

فصول الخديعة المستمرة

قضيت ليلتي في الزنزانة وحيداً، أترقب ما يحمله الغد. وفي الصباح، أدخلوا عليّ سجيناً آخر ليشاركني الزنزانة. بدأ يتحدث معي عن “العصافير” وأجواء السجون والتحقيق، وأخبرني أن اسمه “محمد فوزي” وأنه من قرية “برقين” القريبة من بلدتي، وبدأ يسرد لي أسماء أشخاص يعرفهم في بلدتي ليكسب ثقتي.

عند الظهيرة، اقتادني الحارس إلى أحد المكاتب، وطلبوا مني التوقيع على ورقة مكتوبة باللغة العبرية، مدّعين أنها قرار تحويلي للاعتقال الإداري لمدة 6 أشهر. رفضت التوقيع تماماً لأنني لا أتقن العبرية ولا أفهم ما كُتب فيها. لم يكترث الحارس لرفضي وأعادني إلى الزنزانة، فاستقبلني “محمد فوزي” بلهفة مصطنعة وسألني: “ماذا حدث؟” فأجبته: “حولوني للاعتقال الإداري”. أبدى حزناً مزيفاً وقال: “إداري! وماذا ستفعل الآن؟” فقلت له بثقة: “سأصلي ركعتي شكر لله”. وبالفعل، قمت وصليت ركعتين شكرت فيهما الله ودعوته بالثبات.

بعد ساعتين، جاء الحراس، قيدوني وطلبوا مني حزم أمتعتي للنقل إلى السجن. ودعت “محمد فوزي” وخرجت. عصبوا عينيّ وكبلوا يديّ وقدميّ ودفعوا بي إلى سيارة النقل (الوسطة). بعد حوالي نصف ساعة، سمعت حركة داخل السيارة، وإذا بالصوت المألوف ذاته.. إنه زميلي السابق “محمد فوزي” قد ركب معي مدّعياً أنه سيُنقل إلى السجن نفسه! .

في الطريق، أخبرني محمد أننا متجهون إلى “سجن مجدو”، وبدأ يشرح لي أقسامه وطبيعة الحياة فيه، وقال مطمئناً إياي: “اطمئن، لن تذهب إلى غرف العصافير مجدداً، وغرفة الأسرى الإداريين ستكون على يمينك فور دخولك السجن”.

مسرحية “مجدو” والاسم المنقوش

وصلنا إلى سجن مجدو، وفصلوني عن محمد فوزي، وأدخلوني بالفعل إلى الغرفة التي وصفها لي.. على اليمين تماماً. استقبلني الأسرى هناك بحفاوة بالغة وسعادة غامرة؛ كانوا أحد عشر أسيراً، وبدأوا بالتعرف عليّ والترحيب بي.

شعرت بقليل من الراحة؛ فقد أمضيت فترة طويلة معزولاً عن البشر، والآن أنا بين 11 أسيراً يمكنني الحديث معهم. المكان يبدو مثالياً: مكتبة كبيرة، تلفاز، طعام وفير من كل صنف، ماء ساخن، طاولة تنس، ساحة للفورة، وشاي وقهوة متوفران.

قضيت بينهم عشرة أيام، كدت في بعض لحظاتها أن أصدق أنهم أسرى حقيقيون شرفاء. لكن قاعدتي الذهبية الراسخة في عقلي كانت تحميني: “لا يوجد داخل السجن من يهمه ما كنت تصنعه في الخارج، وليس من حق أي إنسان أن يسألك عما لم تذكره في غرف التحقيق”؛ وهذا تحديداً كان مقتلهم وأحد أخطائهم الفادحة.

في مساء يومي الأول، حددوا لي سريراً لأنام عليه، وبمجرد أن وضعت رأسي، لمحت اسماً منقوشاً على حديد السرير. تجمّد الدم في عروقي؛ هذا الاسم لأسير كنت قد سمعت صوته شخصياً في تحقيق “الجلمة” قبل مغادرتي بيوم أو يومين، وسمعته وقتها يقول بوضوح: “لقد كنت عند عصافير مجدو وقضيت عندهم 5 أيام”. ما إن قرأت الاسم حتى حمدت الله في سري، وتظاهرت بالبراءة وسألتهم إن كان هذا الأسير قد مرّ عليهم، فأنكروا معرفتهم به تماماً! هنا تيقنت بلا أدنى شك: أنا في وكر للجواسيس مجدداً.

في اليوم الثالث، خرجنا إلى “الفورة” (الساحة)، وفجأة دخل شخص غريب إلى القسم. ناداني “الأمير” (مسؤول الغرفة) طالباً مني الدخول، فوجدت ذلك الرجل الغريب يجلس على أحد الأسرة. عرّفني عليه الأمير بأنه “الموجه الأمني” المسؤول عن متابعة الأسرى الجدد، ثم انسحب الأمير وأغلق الباب خلفه.

بدأ الموجه الأمني يتبسط معي في الحديث، ثم سألني مباشرة عن “سيرتي النضالية”! فأجبته بهدوء: “ليست لي أي سيرة نضالية، لقد اعتقلت بالخطأ”. لم يعجبه ردّي وقال: “بل إن التنظيم يعرفك ويسمع بك”. صممت على إجابتي، فنهض غاضباً وقال إنه سيعود للقائي مجدداً، وقبل أن يخرج، همس لي محذراً: “لا تتحدث مع ذلك الشاب الصغير الموجود معكم في الغرفة، فهو مشكوك في أمره”. حينها، زاد يقيني بخبثهم، وقلت في نفسي: قد يكون هذا الشاب الصغير هو الشريف الوحيد هنا. وبالفعل، طوال إقامتي، لم يتركوني أنفرد بهذا الشاب أبداً، وكلما حاولت الاقتراب منه لحقوا بنا.

العجيب أن هؤلاء الجواسيس كانوا يحيون لياليهم بالصلاة والقيام والدعاء والبكاء المرير؛ لو مررت بغرفتهم لقلت إنهم من زمن الصحابة.. لكنهم في الحقيقة لم يكونوا سوى حفنة من الجواسيس المأجورين.

بعد يومين، عاد “الموجه الأمني” ومعه “كبسولة” (رسالة صغيرة مهربة يصنعها الأسرى)، وقال لي: “هذه الرسالة من الأسير (م. ط)، وهو من أسرى بلدتك”. طلب مني قراءتها فرفضت وقلت: “اقرأها أنت”. فقرأها بصوته، وكانت تحتوي على تحيات من (م. ط) وتشجيع لي للحديث مع الموجه الأمني وإعطائه كل المعلومات، مؤكداً لي أنني بين أسرى شرفاء وأن التعاون سيسرع في نقلي إلى “الخيام” حيث يعيش بقية الأسرى.

أنهى قراءته الابتسامة الخبيثة تملأ وجهه، وسألني: “ما رأيك الآن؟”

نظرت إليه وقلت ببرود: “أنا لا أعرف (م. ط) ولم ألتقِ به طوال حياتي؛ فعندما جئت أنا من الخارج كان هو في السجن، فكيف يرسل لي رسالة؟ وعموماً ليس لدي ما أقوله سوى ما قلته سابقاً”. فغادر والغضب يتطاير من عينيه.

في وقت لاحق، استغلت خروجهم ووجودي مع الشاب الصغير في غرفة التنس، فبادرت بالحديث معه مباشرة قائلاً: “كن على حذر.. نحن في غرفة عصافير”. تغيرت ملامحه وارتسمت على شفتيه ابتسامة وسألني بلهفة: “هل التقيت بوالدي وعمي في تحقيق الجلمة؟” فقلت له محذراً: “لا تطمئن لي ولا لأي إنسان هنا.. نعم التقيت بهم وهم بخير”. وفجأة دخل بقية الأسرى فانقطع حديثنا، وعدت لمنهجي في قراءة القرآن والكتب وتجنب الاختلاط بهم. 
في اليوم الثامن، قال لي “الأمير” إن هناك مفاجأة وضيفاً سيزورني اليوم. وجاء الضيف الموعود.. ليطلّ من جديد “محمد فوزي”، زميل زنزانة الجلمة! هنا تيقنت تماماً وبالملموس أنه ليس سوى عصفور يخدم الاحتلال. أمضى معي ساعة كاملة في الفورة يحاول إقناعي بالاستجابة للموجه الأمني والاطمئنان له، لكنني صددته مؤكداً أن ليس لدي ما أضيفه، فودعني وغادر.

دموع الأب.. وبشارة العجوز

في اليوم العاشر، وتحديداً عند الظهيرة، كنت أستحم حين ناداني “الأمير” طالباً مني الإسراع لأن اسمي جاء في كشوفات النقل إلى الخيام. حدثت نفسي بأن المسرحية قد انتهت وأنهم بصدد إعادتي للتحقيق مجدداً.

خرجت لأجد شرطة الاحتلال بانتظاري، حيث اقتادوني مباشرة إلى “الجلمة”، لكن ليس إلى زنازين التحقيق، بل إلى المحكمة! وهناك كانت المفاجأة الكبرى التي لم أتوقعها: والدي، وأخي، وعمي يجلسون في قاعة المحكمة ينتظرونني.

تحركت مشاعري وهزّني الشوق، وحاولت الاقتراب منهم لأضمهم إلى صدري، لكن الجنود منعوني بقسوة، ومنعوا أهلي من التحدث إليّ. صار حديثنا بالعيون والإشارات؛ وفي تلك اللحظة المؤثرة، لم تملك عينا والدي الصمود، فانتصرت دموعه على كل الحواجز والقيود، وسالت على خديه. تذكرت فوراً كلمته لي قبل سنوات طويلة في طفولتي: “سأبكي عليك يا بني”.

حاولت رغماً عن قيد وألمي أن أرفع معنوياتهم، فحافظت على ابتسامتي عريضة على وجهي، وكنت أشير إليهم بأصابعي بشارة التوحيد وعلامة النصر.

اقترب مني المحامي وهمس: “هل وضعوك عند العصافير؟” فأجبته: “نعم”. فسأل بقلق: “هل اعترفت لهم بشيء؟” فقلت مبتسماً: “لا.. فليس لدي ما أقوله”. اطمأن المحامي وقال بثقة: “سأعمل على الإفراج عنك اليوم”.

لكن القاضي صدمنا برفض الإفراج، وقرر تمديد توقيفي لثمانية أيام أخرى. جن جنون المحامي والتفت إليّ مستنكراً وسألني مجدداً: “هل أنت متأكد تماماً أنك لم تقل لهم شيئاً؟!” فأكدت له ذلك.

لا أنكر أنني شعرت وقتها بتعب نفسي شديد، وتسرب الوهن والانكسار إلى قلبي وأنا أودع أهلي والجنود يقتادونني خارج القاعة صوب الزنازين. وفي ممرات المحكمة الضيقة، مررت بعجوز فلسطينية وقورة، يفصلني عنها حاجز حديدي. نظرتْ إليّ والجنود يحيطون بي من كل جانب، وقالت بنبرة ملؤها الحنان واليقين: “الله معاكم يا بنيّ.. الله معاكم.. لا تخافوا ربنا كريم.. اصبروا”.

كانت كلماتها المباركة تسقط على روحي المتعبة كالغيث الطيّب ينزل على أرض قاحلة؛ فمسحتْ عن قلبي الوهن، وأعادت الابتسامة إلى وجهي، والقوة إلى نفسي.

أعادوني إلى الزنازين، لكنها كانت زنازين أكبر هذه المرة، تحتوي على أسرة إسمنتية ويشاركني فيها أسيران آخران. نمت ليلتي وأنا أتساءل عما يخبئه لي الغد من فصول المواجهة.

وفي الصباح، جاء السجان وطرق الباب بقوة طالباً مني حزم أغراضي والخروج فوراً. ودعت الأسيرين، وحملت أمتعتي البسيطة وخرجت، فأدخلوني في سيارة نقل الأسرى (الوسطة). دارت محركات السيارة ودارت معها الأسئلة الحائرة في رأسي: إلى أين يأخذونني الآن؟ هل إلى سجن حقيقي؟ أم إلى جولة جديدة مع العصافير؟ أم إلى تحقيق آخر؟ .
سارت السيارة لبعض الوقت ثم توقفت فجأة.. التفتُّ من النافذة الصغيرة فعرفت المكان؛ إننا نقف أمام حاجز احتلالي قريب من مدينة جنين! .

فتح السجان الباب، واقترب مني وحلّ القيود الحديدية عن يديّ وقدميّ، ثم التفت إليّ وأشار بيده إلى الخارج قائلاً: “انزل.. اذهب”.

وقفت مذهولاً، ولم يستوعب عقلي الكلمة، فسألته مستغرباً: “ماذا تقول؟!”

فنظر إليّ ببرود وأعاد كلمته التي هزت أركاني:

“اذهب.. أنت حُرّ”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا