السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في قلب المعاناة الفلسطينية، تقف عائلات الأسرى كأحد أعمدة الصمود الأكثر حضوراً وتأثيراً. فهؤلاء لا يعيشون فقط ألم الفقد المؤقت لأبنائهم، بل يحملون على عاتقهم مسؤولية إنسانية ووطنية تتمثل في إبقاء قضية الأسرى حيّة في الوعي الجمعي، محلياً وعالمياً. إنهم لا يمثلون مجرد عائلات منكوبة، بل جبهة نضال موازية، تقاوم النسيان، وتفضح الانتهاكات، وتُذكّر العالم بأن خلف كل رقم أسيراً له حكاية، وبيت، وأم تنتظر.
لقد تحوّلت عائلات الأسرى عبر السنوات إلى صوت لا يمكن تجاهله، حيث لعبت دوراً محورياً في تنظيم الفعاليات، والاعتصامات، والوقفات التضامنية، والمشاركة في الحملات الإعلامية. هذا الحضور المستمر أسهم في تثبيت قضية الأسرى كقضية مركزية في النضال الفلسطيني، ومنع تهميشها في ظل تعدد القضايا وتشعبها. كما أن رواية العائلات لتجاربها ومعاناتها أضفت بُعداً إنسانياً عميقاً على القضية، جعلها أكثر قرباً وتأثيراً في الرأي العام.
أما بعد السابع من أكتوبر 2023، فقد دخلت قضية الأسرى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. فقد استغلت حكومة الاحتلال الأوضاع السياسية والأمنية لفرض إجراءات غير مسبوقة بحق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون. تم تشديد القيود بشكل كبير، وتدهورت الظروف المعيشية، وبرزت سياسات عقابية جماعية تمثلت في تقليص الزيارات، ومنع التواصل مع العالم الخارجي، بل وانقطاع الاتصال الكامل في بعض الفترات، مما جعل عائلات الأسرى تعيش حالة من القلق المستمر والغموض حول مصير أبنائها.
إلى جانب ذلك، سعت حكومة الاحتلال إلى تمرير قوانين وإجراءات جديدة تستهدف الأسرى بشكل مباشر، مستغلة حالة الانشغال الدولي. هذه السياسات لم تقتصر على التضييق داخل السجون، بل امتدت إلى محاولات شرعنة انتهاكات تمس حقوق الأسرى الأساسية، في مخالفة واضحة للقانون الدولي الإنساني. كل ذلك زاد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق عائلات الأسرى، التي وجدت نفسها أمام معركة جديدة: معركة كسر العزلة وإعادة تسليط الضوء على ما يجري خلف القضبان.
وفي ظل هذه التحديات، يمكن لعائلات الأسرى أن تلعب أدواراً عملية ومؤثرة في تفعيل القضية، من أبرزها:
•تعزيز الحضور الإعلامي: من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنقل معاناة الأسرى بشكل مستمر، ونشر قصص إنسانية مؤثرة توصل صوتهم للعالم.
•تنظيم الفعاليات الشعبية: كالوقفات الأسبوعية، والمسيرات، والأنشطة التضامنية التي تُبقي القضية حاضرة في الشارع.
•بناء شراكات مع مؤسسات حقوقية: محلية ودولية، لتوثيق الانتهاكات ورفعها إلى الجهات المختصة.
•التواصل مع الإعلام الدولي: لإيصال الرواية الفلسطينية بلغات مختلفة، وكسر احتكار السردية الأخرى.
إن عائلات الأسرى ليست مجرد متلقية للألم، بل صانعة للأمل، وقادرة على تحويل معاناتها إلى قوة دافعة نحو التغيير. فحين تصرّ الأم على رفع صورة ابنها في كل ساحة، وحين يواصل الأب طرق كل باب، فإنهم لا يطالبون فقط بحرية أحبّتهم، بل يكتبون فصلاً جديداً من فصول الصمود الفلسطيني.

