السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في الضفة الغربية، لم تعد سياسة الاقتحام وتدمير المنازل مجرد إجراء أمني عابر، بل تحوّلت إلى ممارسة يومية ممنهجة ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، وتستهدف على نحو خاص بيوت الأسرى المحررين، والأسرى القابعين في السجون وعائلات الشهداء والمبعدين. هذه السياسة لا تقف عند حدود الجدران المهدّمة، بل تمتد آثارها لتطال الإنسان الفلسطيني في عمقه النفسي، واستقراره الاقتصادي ونسيجه الاجتماعي والشعبي.
تعتمد قوات الاحتلال في حملاتها على الاقتحام الليلي المفاجئ، حيث تُداهم المنازل تحت جنح الظلام، وتروّع النساء والأطفال، وتُخضع العائلات لساعات طويلة من التفتيش والتحقيق، قبل الشروع في التدمير الجزئي أو الكلي للمنزل. وغالبًا ما يتم ذلك بذريعة “العقاب” أو “الردع”، دون أي اعتبار للقوانين الدولية أو لحقوق الإنسان الأساسية، ما يجعل هذه السياسة شكلًا واضحًا من أشكال العقاب الجماعي المحرّم دوليًا.
أما أهداف هذه الحملة، فتتجاوز الادعاءات الأمنية التي يروّج لها الاحتلال. الهدف الأول يتمثل في كسر إرادة الفلسطينيين، وإيصال رسالة مفادها أن ثمن المقاومة أو حتى الانتماء لأسير أو شهيد هو فقدان المأوى والأمان. كما يسعى الاحتلال إلى ردع المجتمع الفلسطيني عن احتضان الأسرى وعائلاتهم، وتحويل هذه العائلات إلى عبء اجتماعي ونفسي، بدل أن تبقى رمزًا للصمود والتحدي. ويضاف إلى ذلك هدف آخر يتمثل في زعزعة الاستقرار الداخلي، ودفع الفلسطينيين إلى الانشغال بتأمين احتياجاتهم الأساسية بدل التفرغ للنضال الوطني.
الآثار النفسية لهذه السياسة عميقة وممتدة. فالأطفال الذين يشهدون اقتحام منازلهم وتدمير غرف نومهم يكبرون وهم يحملون الخوف والصدمة والقلق الدائم. والآباء والأمهات يشعرون بالعجز والانكسار أمام عجزهم عن حماية أسرهم أو الحفاظ على بيتهم الذي يمثل رمز الأمان والاستقرار. ومع تكرار هذه الممارسات، تتحول الصدمة الفردية إلى حالة نفسية جماعية، تتجسد في انتشار التوتر والاكتئاب واضطرابات النوم، خاصة في المناطق التي تتعرض للاقتحام المتكرر.
اقتصاديًا، تُلحق عمليات التدمير خسائر فادحة بالعائلات الفلسطينية. فإعادة بناء المنازل أو ترميمها تتطلب تكاليف باهظة، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة أصلاً، وارتفاع معدلات البطالة والفقر. كما يفقد كثيرون مصادر رزقهم نتيجة مصادرة المعدات أو تدمير المحال الملحقة بالمنازل، ما يدفع بعض العائلات إلى الاعتماد على المساعدات، ويعمّق دائرة الفقر والتهميش.
وعلى الصعيد الشعبي، ورغم قسوة هذه السياسة، فإنها لم تنجح في كسر الروح الجماعية للفلسطينيين. بل على العكس، كثيرًا ما تولّد هذه الاعتداءات حالة من التضامن الشعبي، حيث تتكاتف العائلات والجيران والمؤسسات لإعادة إعمار ما دُمّر، وتقديم الدعم المعنوي والمادي للمتضررين. ومع ذلك، يبقى العبء كبيرًا، ويظل الهدف الحقيقي للاحتلال واضحًا: استنزاف المجتمع الفلسطيني ومحاولة تفكيك صموده.
في المحصلة، تشكل سياسة الاقتحام وتدمير المنازل أداة قمعية تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين عبر استهداف أبسط حقوقهم، وهو الحق في السكن الآمن. ورغم الألم والخسارة، يواصل الفلسطينيون التمسك بأرضهم وبيوتهم، مؤكدين أن الهدم لا يمكن أن يهدم الإرادة، ولا أن يطفئ جذوة الصمود المتجذرة في هذه الأرض.

