السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
حين يتحوّل البيت إلى سجن… سمية جوابرة ووجع الصحافة المُقيّدة
في كل عام، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة ليذكّر العالم بقيمة الكلمة الحرة، وبحق الصحفي في نقل الحقيقة دون خوف أو قيد. لكن في فلسطين، لا يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بقدر ما هو لحظة كشفٍ مؤلمة لواقعٍ يعيشه الصحفيون، ومن بينهم الصحفية سمية جوابرة، التي تحوّلت حياتها إلى نموذج حيّ لمعاناة الصحافة تحت القيود.
في صباح الخامس من نوفمبر عام 2023، اعتُقلت سمية جوابرة وهي حامل في شهرها السابع، قبل أن يُفرج عنها بعد أيام، لا لتستعيد حريتها، بل لتدخل شكلاً آخر من الاعتقال: الحبس المنزلي المفتوح.
منذ ذلك اليوم، لم يعد منزلها مكاناً للأمان، بل تحوّل إلى سجنٍ صامت. مُنعت من الخروج، ومُنع عنها الهاتف والإنترنت، وحتى وسائل التواصل مع العالم الخارجي. لم تعد صحفية تمارس عملها، بل أصبحت رهينة جدران، تُراقب الحياة من خلف باب لا تستطيع تجاوزه.
معاناة سمية لا تتوقف عند حدودها الشخصية، بل تمتد إلى تفاصيل يومها كامرأة وأم. فهي أم لأربعة أطفال، تعيش معهم عزلة قسرية، محرومة من مرافقتهم أو مشاركتهم حياتهم خارج المنزل. حتى المناسبات العائلية، والأفراح، والأحزان، تمرّ دون أن تكون جزءاً منها. لقد أصبح الغياب أسلوب حياة مفروضاً عليها.
الأشد قسوة أن هذا “الحبس” ليس محدد المدة. هو مفتوح على المجهول، يُثقل النفس بالخوف الدائم من إعادة الاعتقال، ويُبقي الحياة معلّقة بلا أفق. كما فُرضت عليها غرامة مالية كبيرة، مع تهديد مباشر بإعادتها إلى السجن في حال خالفت أي شرط من الشروط المفروضة عليها.
في جوهرها، لا تبدو قضية سمية مجرد حالة فردية، بل تعكس سياسة أوسع تهدف إلى تقييد الصحفيين وتغييب أصواتهم. فحرمان الصحفي من أدواته الأساسية—الهاتف، الإنترنت، الحركة—هو عملياً إلغاء لدوره المهني، وإقصاء لروايته من الفضاء العام.
وفي يوم يُفترض أن يُحتفى فيه بحرية الصحافة، تقف سمية جوابرة خلف نافذتها، تراقب العالم الذي تُمنع من الوصول إليه، وكأنها تقول بصمت: إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الصحافة ليس فقط السجن، بل أن تُسجن داخل حياتها نفسها.
إن قصة سمية ليست فقط قصة صحفية، بل قصة حرية مُصادَرة، وصوتٍ مُحاصَر، وواقعٍ يكشف أن حرية الصحافة في فلسطين ليست شعاراً، بل معركة يومية تُخاض خلف الأبواب المغلقة.

