الثلاثاء, مايو 5, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالخليج بين التصدّع وإعادة التموضع: قراءة نقدية في التحولات الإقليمية

الخليج بين التصدّع وإعادة التموضع: قراءة نقدية في التحولات الإقليمية

السكة – محطة المقالات- بقلم عمر النادي 

يشهد مجلس التعاون الخليجي منذ سنوات تباينات سياسية واستراتيجية متزايدة بين أعضائه، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة. وقد دفعت هذه التغيرات بعض المراقبين إلى الحديث عن تفكك تدريجي للمجلس، إلا أن هذا الوصف قد يكون مبالغًا فيه، إذ لا يزال المجلس قائمًا كمظلة للتنسيق الأمني والاقتصادي، رغم تراجع مستوى الانسجام السياسي بين دوله مقارنة بمراحل سابقة. ما يجري يبدو أقرب إلى إعادة تموضع داخل المنظومة الخليجية، لا إلى انهيارها الكامل.
في هذا السياق، برزت الإمارات العربية المتحدة بوصفها فاعلًا إقليميًا نشطًا خلال العقد الأخير، مستندة إلى قدراتها الاقتصادية والمالية وعلاقاتها الدولية الواسعة. غير أن هذا الدور أثار انتقادات حادة من خصومها، الذين يرون أنها انتقلت من نموذج الدولة التجارية إلى الانخراط المباشر أو غير المباشر في صراعات المنطقة.

إلا أن تناول الإمارات باعتبارها “كيانًا بلا تاريخ أو ثقافة” لا ينسجم مع الوقائع التاريخية؛ فالدولة الحديثة تأسست عام 1971 بعد الانسحاب البريطاني من الخليج، لكنها قامت فوق مجتمعات ساحلية وبدوية وتجارية ذات جذور تاريخية معروفة، ضمن فضاء خليجي وعُماني أوسع.
أما ما يُتداول بشأن مشاركة إماراتية مباشرة في عمليات عسكرية ضد إيران إلى جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، فما يزال في إطار المزاعم غير المؤكدة. حتى الآن لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت مشاركة سلاح الجو الإماراتي في مثل هذه العمليات، كما أن أبوظبي نفت في مناسبات سابقة تقارير مشابهة. وفي المقابل، فإن تصاعد التوترات الإقليمية جعل الإمارات، بحكم موقعها الاقتصادي واستضافتها منشآت استراتيجية، عرضة لتهديدات وهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة، ما يعكس هشاشة البيئة الأمنية في الخليج أكثر مما يثبت انخراطها العسكري المباشر.
العلاقة بين السعودية والإمارات تمثل بدورها نموذجًا لتعقيد المشهد الخليجي الراهن. فرغم استمرار الشراكة الوثيقة بين الرياض وأبوظبي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة تباينات في ملفات عدة، مثل اليمن، وأسواق الطاقة، والمنافسة الاقتصادية، ومسارات النفوذ الإقليمي. هذه الخلافات لا تعني بالضرورة قطيعة أو صدامًا استراتيجيًا، لكنها تشير إلى انتقال العلاقة من مرحلة التطابق شبه الكامل إلى مرحلة التنسيق المشوب بالتنافس.
في المقابل، تظل إيران لاعبًا مركزيًا في معادلات المنطقة، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية وبرنامجها الصاروخي، بل أيضًا بسبب موقعها الجغرافي المحوري. فإيران تشكل حلقة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وشرق المتوسط، وتتحكم بجزء من الممرات البحرية الأهم عالميًا. ولهذا فإن استقرارها أو اضطرابها ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وتوازنات الأمن الإقليمي والدولي.
كما أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، تنظر إلى الخليج وإيران ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي. فمع تراجع القدرة الأميركية على إدارة المنطقة بالأساليب التقليدية، تتجه دول الإقليم إلى تنويع شراكاتها وبناء علاقات أكثر توازنًا مع قوى متعددة. غير أن هذا التحول ما زال في طور التشكل، ولم ينتج بعد نظامًا إقليميًا مستقرًا وواضح المعالم.
المهم أن المنطقة لا تقف أمام نهاية حتمية لدول أو صعود نهائي لأخرى، بل أمام مرحلة انتقالية تتسم بإعادة توزيع النفوذ، وتبدل التحالفات، وتصاعد المنافسة. مجلس التعاون الخليجي لم ينهَر، لكنه لم يعد الكتلة المتجانسة التي عرفها سابقًا، كما أن إيران ليست معزولة بالكامل ولا مهيمنة بالكامل. وما سيحدد مستقبل الخليج في السنوات المقبلة ليس الخطاب التصعيدي، بل قدرة دوله على التكيف مع موازين القوة الجديدة وصياغة ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا