السكة – محطة الجاليات العربية
تجه مقاطعة كيبيك الكندية نحو مرحلة جديدة من تشديد علمانية الدولة، في خطوة تعكس تحوّلًا عميقًا في فهم العلاقة بين الدين والفضاء العام.
فمشروع القانون الذي قدمته حكومة كيبيك أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لا يقتصر على تنظيم إداري أو قانوني محدود، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول حدود الحرية الدينية في مجتمع يعرّف نفسه تاريخيًا بوصفه تعدديًا وديمقراطيًا.
تدافع الحكومة عن المشروع باعتباره امتدادًا لمسار طويل بدأ منذ ستينيات القرن الماضي، هدفه تحرير مؤسسات الدولة من النفوذ الديني وبناء نموذج “كيبيكي” خاص للعلمانية. غير أن توسيع هذا المنطق ليشمل إغلاق قاعات الصلاة في المؤسسات العامة، وحظر الرموز الدينية على فئات جديدة من العاملين، ومنع التجمعات الدينية في الفضاء العام إلا استثنائيًا، يكشف عن انتقال من مبدأ حياد الدولة إلى نهج يقترب من تقييد التعبير الديني ذاته.
هذا التحول يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت العلمانية، كما تُطبق اليوم في كيبيك، ما تزال أداة لحماية الحريات الفردية، أم أنها باتت وسيلة لإعادة تعريف الهوية الجماعية على حساب تلك الحريات. فالدولة، وفق هذا التوجه، لا تكتفي بالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان، بل تتدخل لتنظيم حضورها، بل وتقليصه، في الفضاء العام ومؤسسات التعليم.
اللافت أن الانتقادات لا تصدر فقط عن جهات دينية، مثل المنتدى الإسلامي الكندي أو جمعية أساقفة كيبيك الكاثوليك، بل تمتد إلى منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، التي ترى في المشروع تصعيدًا سياسيًا يستهدف فئات بعينها، خاصة المهاجرين العرب والمسلمين.
ويعزز هذا الطرح توقيت المشروع، الذي يأتي في سياق تراجع شعبية الحكومة، ما يفتح الباب أمام قراءة انتخابية لهذه السياسات.
في المقابل، تحظى هذه التوجهات بدعم شريحة واسعة من الرأي العام، ما يعكس انقسامًا اجتماعيًا متزايدًا حول مكانة الدين في المجتمع الكيبيكي. فبالنسبة لمؤيدي المشروع، تمثل العلمانية الصارمة ضمانة للتماسك الاجتماعي وسمو القانون، بينما يراها معارضوه مساسًا مباشرًا بحقوق الأفراد في التعبير عن هويتهم ومعتقداتهم.
ويرى باحثون في القانون والدين أن كيبيك تقف عند مفترق طرق: فالعلمانية التي تأسست تاريخيًا على مبدأ حياد الدولة وحماية الحريات، تتحول تدريجيًا إلى علمانية معيارية تعطي الأولوية لما تصفه الحكومة بـ”حقوق الأمة الكيبيكية الجماعية”، حتى وإن استدعى ذلك تقييد الحقوق الفردية.
في هذا السياق، لا يبدو الجدل الدائر مجرد خلاف حول قاعات صلاة أو رموز دينية، بل نقاشًا أعمق حول طبيعة النموذج المجتمعي الذي تسعى كيبيك إلى ترسيخه: هل هو نموذج يتسع لاختلاف الهويات الدينية في الفضاء العام، أم نموذج يعيد رسم حدود هذا الفضاء باسم العلمانية والاندماج.

