السكة – المحطة الفلسطينية
تحقيق صادم: كيف تحوّلت سفارة فلسطين في لندن إلى مسرح استفزاز أخلاقي في زمن الإبادة؟ غزة تُمحى ولندن تُزيَّن.
في اللحظة التي كان فيها الفلسطينيون يُسحبون من تحت الأنقاض، قررت السلطة الفلسطينية أن تبتسم للكاميرات، وتقصّ شريط سفارة جديدة في لندن، وكأن الإبادة مجرد خبر جانبي، وكأن الدم الفلسطيني لا يستدعي سوى دقيقة صمت… ثم العودة للاحتفال.
السفير حسام زملط وصف المشهد بـ“اللحظة التاريخية”.
لكن أي تاريخ هذا الذي يُكتب فيما الجثث ما زالت دافئة؟
وأي دولة هذه التي تُعلَّق أعلامها بينما يُدفن شعبها بلا أكفان؟
الدبلوماسية كعرض… والضمير غائب
الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لم يوقف الحرب، لم يكسر الحصار، لم يمنع مجزرة واحدة.
ورغم ذلك، جرى التعامل معه كإنجاز سيادي، لا كخطوة رمزية محدودة الأثر.
التحقيق هنا لا يسأل: هل الاعتراف مهم؟
بل يسأل:
هل يحقّ للسلطة الاحتفال فيما شعبها يُباد؟
أم أن السلطة قررت — بوعي أو بدونه — فصل “الدولة” عن الناس، وترك الفلسطينيين وحدهم في النار؟
السفير: واجهة سياسية أم قطيعة أخلاقية؟
بالتزامن مع الافتتاح، انفجرت موجة غضب غير مسبوقة داخل الجالية الفلسطينية في بريطانيا، وفي أوساط فتح نفسها، ضد السفير حسام زملط.
الغضب لم يكن لأن السفير فشل سياسيًا.
بل لأن صورته — كما يراها منتقدوه — تحولت إلى نقيض فاضح لمشهد الإبادة.
حفلات، سهر، ضحك، رقص…
وفي الطرف الآخر: أطفال بلا أطراف، أمهات بلا قبور، مدينة تُمحى.
الرسالة التي التقطها الناس كانت واحدة:
السلطة تعيش زمنًا آخر.
“مرمية”: من مطبخ فلسطيني إلى عنوان استفزاز
في غرب لندن، يدير شقيق السفير مطعم “مرمية”.
الروايات المتداولة تقول إن المكان تحوّل إلى سهرات ليلية متكررة، يرتادها أبناء مسؤولين وقيادات فتحاوية.
مرة أخرى:
لا اتهام قانوني.
لكن الاتهام الأخلاقي صارخ:
كيف يمكن لمن يدّعي تمثيل شعب محاصر أن يسمح — ولو بالصمت — بأن يتحول اسمه العائلي إلى مرادف للاحتفال في زمن المجاعة؟
وأي انفصال هذا بين الخطاب الوطني وممارسة النخبة؟
فيديوهات الرقص: اللحظة التي سقط فيها القناع
حين خرجت فيديوهات تُظهر السفير وعائلته في أجواء رقص ومرح، تزامنًا مع مجازر غزة، انتهى الجدل.
لم يعد هناك مجال للتبرير.
لأن الصورة كانت أوضح من أي بيان.
الفلسطيني الذي يشاهد طفله يُقتل لا يرى “خصوصية”.
يرى إهانة علنية.
ويرى سفيرًا لا يشعر بثقل اللحظة، ولا بثقل الدم الذي يفترض أنه يمثّله.
فتح: الصمت الذي يفضح أكثر من الكلام
مصادر من داخل حركة فتح تتحدث عن غضب عارم، تحريض داخلي، وتوتر حقيقي مع السفير.
اتهامات بإساءة صورة الحركة، واستغلال الموقع، وتحويل السفارة إلى مساحة مغلقة للعلاقات الشخصية.
لكن القيادة تلتزم الصمت.
لماذا؟
لأن فتح هذا الملف يعني فتح منظومة كاملة:
سفراء بلا مساءلة.
مناصب بلا محاسبة.
وشعب يُطلب منه الصبر… بينما تُمارس الامتيازات باسمه.
توظيف الأقارب: الشبهة التي لم تُمحَ
قضية توظيف أقارب السفير داخل السفارة، التي أثارها اتحاد طلبة فلسطين في بريطانيا، لم تُغلق.
لم يُعلن تحقيق.
لم تُنشر نتائج.
لم يُحاسَب أحد.
في أي دولة تحترم نفسها، هذا كافٍ لزلزال سياسي.
أما هنا، فتم دفن القضية تحت السجادة… كما دُفنت قضايا كثيرة قبلها.
الحقيقة القاسية: المشكلة ليست شخصًا
كل هذا الجدل لا يدور حول حسام زملط كفرد.
بل حول نموذج تمثيل كامل:
- سلطة بلا حسّ توقيت
- دبلوماسية بلا أخلاق عامة
- نخبة تعيش خارج المأساة
- وشعب يُطلب منه الصمت باسم “المصلحة الوطنية”
لكن أي مصلحة وطنية هذه التي تُهين الألم العام؟
السؤال الأخير… والأخطر
في زمن الإبادة، لا يُغفر الخطأ الرمزي.
ولا يُسامح الانفصال عن الدم.
ولا تُبرَّر الرفاهية حين يكون الشعب في القبر.
وبين سفارة تُفتتح بالتصفيق، وغزة تُغلق بالمقابر، يبقى السؤال — لا كتحليل بل كاتهام مفتوح:
هل ما زالت السلطة الفلسطينية تمثّل شعبًا يُذبح؟
أم أنها تمثّل نفسها فقط… وتطلب من الفلسطينيين ان يصفقوا .
من هو حسام زملط؟
ولد حسام سعيد زملط عام 1973 في مخيم الشابورة بمحافظة رفح جنوب قطاع غزة، وهُجر والداه من قرية سمسم في منطقة النقب الغربي.
درس في جامعة بيرزيت، وتخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية، وقدم بحثًا بعنوان “اقتصاديات العمل في الضفة الغربية وغزة”.
وفي عام 2000، أكمل دراسة الماجستير في دراسات التنمية بكلية لندن للاقتصاد، وركز على مساعدات التنمية في الدول المنهارة، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي الدولي من جامعة لندن عام 2007.
وتولى عدة مناصب، منها، سفير متجول للسلطة الفلسطينية، ومدير مفوضية حركة فتح للشؤون الخارجية، ومستشار الشؤون الاستراتيجية للرئيس محمود عباس عام 2015، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح عام 2016
وفي عام 2017، عُين سفيرًا للسلطة الفلسطينية في واشنطن، قبل أن يتوقف عمله هناك بعد إغلاق مكتب منظمة التحرير، وفي عام 2018، عُين رئيسًا للبعثة الفلسطينية في المملكة المتحدة

