السبت, أكتوبر 24, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالات"الأسيرات الفلسطينيات" القضية المنسية في مواجهة ازدواجية المعايير الدولية

“الأسيرات الفلسطينيات” القضية المنسية في مواجهة ازدواجية المعايير الدولية

السكة – محطة المقالات – منية سلاطنة 

تُعدّ قضية الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً، لما تنطوي عليه من انتهاكات مركّبة تمسّ المرأة بصفتها إنسانة أولاً، وبصفتها امرأة تعيش تحت الاحتلال ثانياً، فهؤلاء النساء لا يُحرمن فقط من حريتهن، بل ويتعرّضن لسلسلة من الممارسات التي تتناقض بشكل صارخ مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، والالتزامات الدولية التي يفترض أنها تحمي المرأة والتي أكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “بأن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات”، وبهذا تعكس قضية الأسيرات الفلسطينيات الازدواجية الواضحة في المعايير الدولية المتعلقة بحقوق المرأة! ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات حماية النساء حول العالم، تُستثنى المرأة الفلسطينية من هذه الحماية، وكأن حقوقها خاضعة للاعتبارات السياسية لا للمبادئ الإنسانية ، حيث أن الساحة الدولية تشهد تفاعلاً سريعاً وضغطاً سياسياً وإعلامياً واسعاً عند انتهاك حقوق فئات معينة في مناطق مختلفة من العالم، إلا أن هذا الزخم يتلاشى أو يكاد يغيب حين تكون الضحية فلسطينية، فالأسيرات الفلسطينيات يتعرضن للاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والحرمان من أبسط الحقوق التي تكفلها القوانين الدولية ، مثل الرعاية الصحية والتغذوية، والزيارات العائلية، والمحاكمة العادلة، دون أن يوازي ذلك تحرك جاد أو ضغط فعلي من المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، مما يدخل ما سبق في اطار المخالفة الصريحة لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، الذي يفترض أن يوفر حماية خاصة للنساء في أوقات النزاع.

وتكمن الإشكالية الكبرى في أن كثيرًا من الدول والمؤسسات التي تدّعي الدفاع عن حقوق المرأة وحقوق الإنسان تتعامل مع القضية الفلسطينية بميزانين مختلفين: ميزان صارم حين يخدم مصالحها السياسية، وميزان متساهل أو صامت حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية، ويأتي ذلك ضمن عملية تسييس حقوق الانسان بحيث تُظهر قضية الأسيرات الفلسطينيات كيف يتم توظيف حقوق الإنسان بشكل انتقائي، وكيف يُستخدم كأداة ضغط سياسي في بعض القضايا، بينما يتم تجاهله في قضايا أخرى! هذا التسييس لا يسهم فقط في استمرار الانتهاكات، بل ويضعف ثقة الشعوب بالمنظومة الحقوقية الدولية ويقوّض مفهوم العدالة الشاملة.

ورغم توثيق منظمات حقوقية محلية ودولية لانتهاكات جسيمة تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية، إلا أن ردود الفعل الدولية غالباً ما تتسم بالصمت أو الاكتفاء ببيانات عامة لا تترجم إلى إجراءات فعلية، وهذا ما يفضح المفارقات لمواثيق الحقوق الإنسانية الدولية بين النص والواقع! بحيث أن المفارقة الصادمة تكمن في الفجوة الواسعة بين نصوص المواثيق الدولية وواقع الأسيرات الفلسطينيات، فالانتهاكات الممنهجة التي يتعرضن لها تجري في ظل صمت دولي، وعجز واضح في مساءلة دولة الاحتلال، رغم كثرة التقارير الحقوقية التي توثّق هذه الممارسات.

وفي النهاية قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست قضية فلسطينية أو نسوية فقط، بل هي قضية عدالة إنسانية بامتياز، وهي اختبار حقيقي لمدى مصداقية المجتمع الدولي والتزامه باتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان وعلى رأسها اتفاقية (سيداو)، التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1979 والتي تنص “على حماية المرأة من جميع أشكال التمييز والعنف، وضمان كرامتها، وسلامتها الجسدية والنفسية، وحقها في المعاملة الإنسانية، لا سيما في حالات الاحتجاز والنزاعات المسلحة”. وبموجب هذه الاتفاقية، يُفترض أن تحظى النساء الأسيرات بحماية خاصة، تراعي أوضاعهن الصحية والنفسية والاجتماعية، فإما أن تُطبّق هذه الاتفاقيات على جميع النساء دون استثناء، أو تبقى مجرد نصوص وهمية تُرفع في المؤتمرات، بينما تُنتهك كرامة النساء الفلسطينيات خلف القضبان الإسرائيلية..

ويعتبر كشف ازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الإنسان، وتسليط الضوء على معاناة الأسيرات الفلسطينيات واجب أخلاقي وإعلامي، فإما أن تكون حقوق الإنسان عالمية وشاملة، أو تفقد معناها وقيمتها؛ بحيث ان قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست ملفاً سياسياً قابلاً للمساومة، بل قضية إنسانية وأخلاقية؛ فحقوق الإنسان لا تتجزأ، ولا يجوز أن تُمنح لفئة وتُسلب من أخرى بناءً على الهوية أو الموقف السياسي وبهذا تبقى قضية الأسيرات شاهداً حياً على الحاجة الملحّة لإعادة النظر في مصداقية النظام الحقوقي الدولي، والانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الانتقائية إلى العدالة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا