السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
يبدو أن اسم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لم يعد بحاجة إلى دعوة رسمية لحضور المؤتمرات، فقد حجز لنفسه – أو حُجز له – مقعدًا ثابتًا في “وثائق إبستين”، حيث تكرر اسمه أكثر من 307 مرات في مراسلات أرشيفية تتعلق بأحد أكثر الملفات سوادًا في التاريخ الأميركي الحديث. رقم لا يُستهان به، ولا يمكن تبريره بـ“الصدفة” أو “تشابه الأسماء” أو حتى “خطأ الطباعة”.
الوثائق، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية تحت شعار الشفافية المتأخرة، تكشف أن عباس ورد اسمه ضمن قوائم مدعوين محتملين لمنتدى “صير بني ياس” عام 2010، المنتدى الذي لم يكن – وفق ما يظهر – مجرد مساحة فكرية بريئة، بل ساحة كان الملياردير الراحل جيفري إبستين يتسلل إليها محاولًا الاقتراب من صناع القرار في الشرق الأوسط، كما اعتاد أن يفعل في كل مكان تطأه قدماه.
وبينما اعتاد الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية الحديث عن “الشرعية” و“الأخلاق السياسية” و“التمثيل الوطني”، جاءت وثائق إبستين لتضيف فصلًا جديدًا من الأسئلة المحرجة:
ما الذي يجمع رئيس سلطة تدّعي تمثيل شعب تحت الاحتلال بشبكة علاقات رجل مدان بإدارة منظومة استغلال جنسي للقاصرات؟
وهل كان الاسم مجرد “إشارة إدارية” أم حلقة في دوائر تواصل أوسع مما يُراد للرأي العام أن يعرف؟
“وثائق إبستين” – وهي ملايين الصفحات ومئات آلاف الصور ومقاطع الفيديو التي جُمعت على مدى عقدين – لا توزع صكوك إدانة مباشرة، لكنها تفعل ما هو أخطر: تفضح الشبكات، وتكشف القرب، وتضع الأسماء في أماكن لم يكن أصحابها يتوقعون أن تُفتح يومًا على العلن.
واللافت أن الأرشيف لا يميز كثيرًا بين رئيس سابق، أو أمير، أو ملياردير، أو “زعيم وطني”، فالقائمة مزدحمة: بيل كلينتون، دونالد ترامب، إيهود باراك، الأمير أندرو… والآن، اسم محمود عباس يتكرر بثبات، وكأن الوثائق تقول بلا مواربة: النادي واحد، والوجوه تتغير، والفضيحة مشتركة.
في النهاية، قد يخرج علينا من يقول إن “الورود في المراسلات لا يعني شيئًا”، وإن “الدعوات لا تعني الحضور”، وإن “الشفافية مؤامرة”. لكن ما لا يمكن إنكاره أن الشعوب، التي سئمت من الخطابات الخشبية، باتت تقرأ الأرقام جيدًا… و307 مرة ليست زلة قلم، بل قصة تنتظر إجابة.

