السكة – محطة المقالات – منية سلاطنة
يحلّ شهر رمضان كل عام حاملاً معه أجواءً روحانية واجتماعية خاصة، بحيث تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، وتتعزز فيه قيم التكافل والسكينة، غير أن هذا المشهد يبدو مختلفاً تماماً في الزنازين، حيث تعيش الأسيرات واقعاً قاسياً يحرمهن من أبسط مظاهر الشهر الفضيل، ويضاعف من معاناتهن النفسية والجسدية.
في الجانب النفسي:
شكّل شهر رمضان للأسيرات محطة نفسية شديدة الحساسية؛ فالشهر الذي يرتبط بدفء الأسرة والتقارب الاجتماعي يتحول داخل السجن إلى موسم من الحسرة والحنين؛ فالأسيرة لا تصوم فقط عن الطعام والشراب، بل تصوم أيضاً عن رؤية أطفالها واحتضان ذويها والمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تشكّل جزءاً من طقوسها الرمضانية، فمنهنّ الزوجة ومنهنّ الأم، ومنهنّ الإبنة والذي من شأنه أن يُفاقم عليهنّ الضغوط النفسية نتيجة العزلة والحرمان من الزيارات مما يزيد شعورهنّ بالوحدة، أيضاً القلق المستمر على العائلة، خاصة لدى الأسيرات الأمهات اللواتي يُثقل كاهلهن التفكير بأبنائهن.
كما أن غياب الأجواء الدينية الجماعية الطبيعية، مثل صلاة التراويح في المساجد أو التجمعات العائلية، فضلاً عن الظروف الاعتقالية القاسية التي قد تشمل التفتيش المفاجئ أو الإجراءات العقابية، كل ذلك يبدد شعورهنّ بالاستقرار، وينعكس في صورة توتر نفسي، واضطرابات في النوم، ونوبات من القلق والهلع والاكتئاب، خصوصاً لدى من يقضين أحكاماً طويلة أو يعانين من ظروف صحية صعبة.
اما على الصعيد الصحّي:
فتواجه الأسيرات تحديات خاصة خلال شهر رمضان؛ فالصيام يتطلب نظاماً غذائياً متوازناً وبيئة صحية ملائمة، وهو ما لا يتوفر داخل السجون، حيث تتمثل أبرز التحديات في:
– نوعية الطعام وكميته: فغالباً ما تشتكي الأسيرات من ضعف جودة الوجبات وعدم تنوعها، والتي تكاد تُسمى وجبة، مما يؤثر في قدرتهن على الصيام بطريقة صحية.
– نقص العناصر الغذائية الأساسية مثل الفيتامينات والبروتينات: مما يؤدي إلى إرهاق عام وهبوط في ضغط الدم.
– مشكلات صحية مزمنة لدى بعض الأسيرات: كفقر الدم أو السكري أو أمراض الجهاز الهضمي، حيث أن هذا يتطلب متابعة طبية مُنتظمة وهي غير متاحة.
– قلة الحركة والتعرض المحدود لأشعة الشمس، مما ينعكس على مناعتهّن وصحتهنّ بشكل عام.
وفي ظل هذه الظروف، قد يتحول الصيام إلى عبء جسدي إضافي، خاصة في حال عدم توفر طعام وشراب بشكلٍ كافٍ أو رعاية صحية مناسبة، فضلاً عن التوتر النفسي والذي من شأنه الانعكاس سلباً على صحتهنّ الجسدية.
وما بين الصبر والأمل..
ورغم قسوة هذا الواقع الذي فُرض عليهّن، تحاول الأسيرات خلق أجواء رمضانية خاصة بهنّ داخل حيّز الإمكانات المتاحة؛ فيتقاسمن ما يتوفر من طعام، ويتبادلن التهاني، ويحرصن على أداء العبادات جماعياً قدر المستطاع (كل مجموعة في زنزانتها) بحيث يشكّل ذلك نوعاً من المقاومة المعنوية، ومحاولة لتأدية الشعائر الدينية على أكمل وجه.
ويبقى رمضان في الزنزانة تجربة استثنائية؛ تختلط فيها مشاعر الإيمان والصبر ، وما بين هذا وذاك ما زلن في انتظار فجر حريّة يُعيد إليهن حقهن في ممارسة حياتهن وطقوسهن بكرامة وأمان، ففي الوقت المفترض أن يكون شهر رمضان هو شهر الرحمة في جميع بقاع الأرض ورغم فضائله المُتعارف عليها في جميع الأديان الا أنه لم يَكُن شفيعاً لهُنّ عند جلادهنّ! خصوصاً مع التصعيدات الأخيرة، بحيث نتساءل في رمضان هذا العام كيف سيكون حالهنّ؟.

