الجمعة, مايو 1, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتفي بيت الشهيد الشيخ مصطفى أبو عرّة… رمضان بطعم الغياب

في بيت الشهيد الشيخ مصطفى أبو عرّة… رمضان بطعم الغياب

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

سلسلة ( أصوات من فلسطين )

في منزل عائلة الشهيد الشيخ مصطفى محمد سعيد أبو عرّة، يبدو رمضان هذا العام مختلفًا. صورته تتصدر الجدار، ومصحفه ما زال في مكانه، وصوته الذي اعتاد أن يملأ البيت بالدعاء والقرآن، يحضر في الذاكرة أكثر مما يحضر في الواقع.

الشيخ مصطفى أبو عرّة (مواليد نيسان 1961)، أحد أبناء بلدة عقابا في محافظة جنين، أمضى أكثر من 12 عامًا في سجون الاحتلال، وتعرض للاعتقال مرات عديدة، قبل أن يرتقي شهيدًا داخل سجن “ريمون” بعد اعتداء عنيف وإهمال طبي، بحسب شهادات أسرى محررين وعائلته.

في هذا التقرير، جلسنا مع أفراد عائلته للحديث عن الرجل، عن رمضان في حضوره، وعن رمضان في غيابه.

“كان رمضان موسمه الأجمل”

تقول زوجته وهي تنظر إلى صورته:

“أبو محمد كان ينتظر رمضان من العام إلى العام. كان يعتبره موسم الطاعة والعمل وخدمة الناس. لم يكن رمضان عنده فقط صلاة وصيام، بل كان دعوة وزيارات وإصلاح بين الناس ومساعدة للمحتاجين”.

وتضيف:

“حتى وهو مطارد أو معتقل، كان يفكر كيف يخدم الناس. إذا كان خارج السجن، كان بيته مفتوحًا، وإذا كان داخله، كان يحوّل الزنزانة إلى محراب”.

الشيخ أبو عرّة درس أصول الدين والدعوة في الجامعة الأردنية وتخرج عام 1984، وعمل إمامًا وخطيبًا وواعظًا في عدة مناطق، كما عمل مدرسًا للتربية الإسلامية ومأذونًا شرعيًا لسنوات طويلة. عُرف بدوره الدعوي والاجتماعي، وتقلّد مواقع قيادية في العمل الإسلامي والمؤسساتي في جنين وطوباس، وانتُخب رئيسًا لبلدية عقابا عام 2007.

سؤال: كيف تعيشون شهر رمضان المبارك في ظل غياب الشيخ مصطفى أبو عرّة؟

يصمت أحد أبنائه قليلاً قبل أن يجيب:

“رمضان هذا العام ليس كما عرفناه. كنا نجلس حوله على مائدة الإفطار، نستمع لحديثه، لقصصه عن الصبر والثبات. اليوم نجلس، لكن الكرسي الذي كان يجلس عليه فارغ… وهذا الفراغ أكبر من أن يُحتمل”.

وتتابع ابنته:

“أصعب لحظة هي أذان المغرب. كان هو من يدعو قبل الإفطار، صوته كان يملأ البيت طمأنينة. الآن ندعو له، لا معه”.

أما زوجته فتقول:

“نحتسبه عند الله شهيدًا، ونؤمن أن طريقه كان طريق حق، لكن الفقد موجع. في كل ركعة، في كل دعاء، في كل ليلة من ليالي رمضان، نشعر أنه حاضر بروحه، غائب بجسده”.

من الاعتقال إلى الاستشهاد

بحسب شهادات أسرى مفرج عنهم، تعرّض الشيخ مصطفى لاعتداء جسدي عنيف داخل سجن “ريمون” في تموز/يوليو 2024، بعد اقتحام وحدات القمع غرفته. وتقول عائلته إن حالته الصحية تدهورت لأيام دون تقديم علاج حقيقي، قبل نقله إلى مستشفى “سوروكا”، حيث أُعلن لاحقًا عن استشهاده.

وترى العائلة أن ما جرى “لم يكن إهمالًا عابرًا، بل جريمة متكاملة الأركان”، على حد تعبير أحد أبنائه، مضيفًا:
“والدي صمد سنوات طويلة في السجون، وتعرض للتحقيق والتعذيب والإبعاد إلى مرج الزهور، واغتيل شقيقه علان في التسعينيات. لكنه بقي ثابتًا على مواقفه حتى اللحظة الأخيرة”.

سؤال: ماذا كان يمثل رمضان في حياة الشيخ الدعوية والاجتماعية؟

يجيب شقيقه:

“رمضان عنده كان موسم بناء للإنسان. كان يكثر من الدروس بعد التراويح، ويحث الناس على التكافل. كان يتابع العائلات المحتاجة بنفسه، ويتفقد أحوالهم دون ضجيج”.

وتضيف زوجته:

“لم يكن يحب الأضواء. كان يقول دائمًا: الخير الحقيقي هو الذي لا يراه الناس. في رمضان كان يضاعف جهده؛ إصلاح ذات البين، توزيع زكاة، دروس في المساجد، جلسات للشباب… كان يعتبر أن رمضان فرصة لإحياء الروح في المجتمع”.

ويتابع أحد أبنائه:

“حتى داخل السجن، كان يقود الأسرى في الصلاة، ويشد من أزر المرضى، ويحثهم على الصبر. كان يقول لهم: السجن محطة، أما الطريق فإلى الحرية”.

“رحل الجسد… وبقي الأثر”

تؤكد العائلة أن الشيخ مصطفى بقي حتى أيامه الأخيرة متمسكًا بمواقفه السياسية والفكرية، داعيًا إلى الشراكة الوطنية، ومؤكدًا أن المقاومة بكافة أشكالها حق مشروع للشعب الفلسطيني.

وتختم زوجته الحديث بصوت متهدج:

“نفتقده في كل تفصيل، لكننا فخورون به. كان أبًا حنونًا، وجدًا محبًا، وشيخًا قريبًا من الناس. اغتالوا جسده، لكنهم لم يستطيعوا اغتيال فكرته ولا أثره”.

في بيت الشهيد، يمرّ رمضان مثقلاً بالذكريات. على المائدة كرسي فارغ، وفي القلب مساحة لا يملؤها أحد. لكن في الدعاء، في القرآن، وفي كل تكبيرة ترتفع في ليل رمضان، يبقى اسم الشيخ مصطفى أبو عرّة حاضرًا… كما أراد له أن يكون: شاهدًا على مرحلة، ورمزًا لرجل عاش ومضى متمسكًا بما آمن به.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا