السكة – محطة المقالات
ثامر سباعنة – جنين ، فلسطين
في أجواء الضفة الغربية المفتوحة والحوارات اليومية على الحواجز وداخل القرى والبلدات، بدأ يطفو على السطح مصطلح جديد في مشهد الاحتلال الإسرائيلي : الاستيطان الرعوي. وهو ليس مجرد رعي للماشية في الأراضي الفلسطينية، بل آلية متقدمة للتحكم في الأرض والموارد، وتوسيع النفوذ الاستيطاني بغطاء زراعي مزعوم.
كيف يلجأ المستوطنون إلى الرعي للسيطرة على الأراضي؟
لا يقوم المستوطنون برعي المواشي بشكل عشوائي، بل بشكل منظم يخدم أهدافاً استراتيجية طويلة المدى، من بينها:
•احتلال مساحات واسعة من الأراضي: عبر إدخال قطعان الماشية إلى أراضٍ فلسطينية على فترات متكررة، بهدف تدمير الغطاء النباتي، مما يسهّل إعلان الأرض “مهجورة” بحسب قوانين الاحتلال.
•خلق واقع جديد على الأرض: فتواجد القطيع لأسابيع أو أشهر في مناطق بعيدة عن القرى الفلسطينية، يبرر للمستوطنين الإعلان عن “استخدامها” ويمنحها أحقية في الامتيازات القانونية.
•غير قانوني لكنه واقعي: القوانين الإسرائيلية أو حتى الدولية تمنع تغيير استعمال الأرض، لكن هذه الممارسات تستغل الثغرات وتفرض أمراً واقعاً يصعب إلغاؤه لاحقاً.
المخاطر البيئية والاجتماعية
لا تقتصر الأضرار على مجرد خسارة الأرض، بل تمتد لتشمل:
•تدمير التربة والغطاء النباتي: الماشية تقطع الأعشاب وتجرف التربة مما يؤدي إلى تآكلها وعدم قدرتها على الاستعادة.
•زيادة التصحر: مع مرور الوقت، تتحول المساحات المزروعة إلى أراضٍ جرداء، مما يقوّض الزراعة المحلية ويهدد سبل العيش.
•تهديد الأمن الغذائي الفلسطيني: حيث تعتمد كثير من القرى على الأراضي المُرابية والزراعية، وقد يؤدي حرمانها إلى زيادة الفقر وتدهور الاقتصاد المحلي.
•توترات وتصعيد مستمر: رعي المستوطنين غالباً ما يصحبه اعتداءات على المزارعين الفلسطينيين، تعطيل وصولهم لأراضيهم، ومواجهات متكررة.
إحصاءات صادمة
تشير تقارير محلية ودولية إلى نمط متصاعد في استخدام الرعي كأداة استيطانية:
•آلاف الدونمات التي كانت في السابق جزءاً من المراعِ الفلسطينية أصبحت الآن نوى لتوسع المستوطنات.
•ارتفاع معدلات الحوادث بين الفلسطينيين والمستوطنين في مناطق الرعي الرعوي يفوق أحياناً الحوادث في المناطق الاستيطانية المبنية.
رغم أن هذه الأرقام تتغير بشكل مستمر، إلا أنها تعكس واقعاً واحداً: الرعي لم يعد مجرد نشاط زراعي، بل وسيلة احتلالية.
طرق المقاومة والمواجهة
في مواجهة هذه الممارسات، يشهد المشهد الفلسطيني سلسلة من الخطوات:
1.التوثيق والمراقبة: لجان حماية الأرض في الضفة تعمل على توثيق ممارسات الرعي وحوادث الاعتداء.
2.التعاون مع المنظمات المحلية والدولية: لرفع الوعي عما يجري، وتقديم شكاوى في المحافل الدولية.
3.التنظيم المجتمعي: حماية المزارعين وأراضيهم عبر تشكيل مجموعات رصد ومساندة.
4.الاعتماد على القانون: رفع قضايا أمام المحاكم الإسرائيلية والدولية ضد الاستيطان غير القانوني.
5.التعليم والتوعية: نشر فهم بين الأجيال الجديدة عن خطورة هذه الممارسات على الهوية والاقتصاد والبيئة.
في النهاية، ما يجري في الضفة ليس مجرد رعي أو نزاع على أرض، بل جهد ممنهج لفرض واقع جديد عبر أساليب تبدو بسيطة لكنها تحمل أثراً عميقاً على المجتمع الفلسطيني ومستقبله.

