الثلاثاء, أبريل 21, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتمعركة السردية… وأين يقف المثقف الفلسطيني؟

معركة السردية… وأين يقف المثقف الفلسطيني؟

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

حين نعيد قراءة أفكار فرانك فوريدي في كتابه «أين ذهب كل المثقفين؟»، لا يبدو السؤال نظرياً أو بعيداً عن واقعنا، بل يلامس عمق التجربة الفلسطينية نفسها. فالقضية الفلسطينية، منذ نشأتها، لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل كانت أيضاً ساحة فكر، وميداناً لصراع الروايات، ومجالاً لدور المثقف بوصفه حارساً للوعي الجمعي.

في بدايات المشروع الوطني الفلسطيني، كان المثقف جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية. كتب، ونظّر، وحاور، وانتقد، وأسهم في صياغة الخطاب السياسي والثقافي. كان المثقف الفلسطيني يتجاوز تخصصه الضيق، ويتدخل في الشأن العام، مدافعاً عن الرواية التاريخية، ومجادلاً في قضايا التحرر والهوية والعدالة. لم يكن مجرد خبير، بل كان صاحب رؤية.

غير أن التحولات التي يتحدث عنها فوريدي – من تراجع الثقة بالحقيقة، وصعود النسبوية، وهيمنة الخطاب الإداري – يمكن رصدها أيضاً في السياق الفلسطيني. فالصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على السردية. ومع تصاعد خطاب “تعدد الروايات” في الساحة الدولية، جرى أحياناً التعامل مع الرواية الفلسطينية باعتبارها “وجهة نظر” بين وجهات نظر، لا بوصفها قضية حق تاريخي وقانوني. هنا يتجلى أثر النسبوية المعرفية التي تقوّض فكرة الحقيقة الموضوعية، وتجعل الدفاع عن رواية وطنية يبدو وكأنه ادعاء سلطوي.

كذلك، شهد المجال العام الفلسطيني نوعاً من “تقننة” الخطاب. فبدلاً من المشاريع الفكرية الكبرى التي تناقش مستقبل التحرر، والدولة، والهوية، تراجع النقاش إلى إدارة الأزمات اليومية: تنسيق إداري، تمويل، تقارير، خطط قصيرة المدى. هذا التحول يشبه ما وصفه فوريدي من استبدال الرؤية الفكرية بإجماع إداري يركّز على التسيير لا التغيير. وفي مثل هذا المناخ، يضيق الحيز المتاح للمثقف المستقل، ويُستبدل بالخبير المرتبط بمؤسسة أو مشروع ممول.

أما في الجامعة الفلسطينية، فالتحديات مضاعفة. فهي من جهة مساحة مقاومة وحفاظ على الهوية، ومن جهة أخرى خاضعة لضغوط التمويل، ومتطلبات “حصائل التعلم”، ومقاييس الجودة الإدارية. وبين الحفاظ على المعايير الأكاديمية والانشغال بالتقارير والاعتماد والجودة، قد يتراجع الجدل الفكري الحر الذي تحتاجه أي حركة تحرر وطني. وهنا يتجسد ما أشار إليه فوريدي من تحول الجامعة إلى مؤسسة إدارية أكثر منها فضاءً لصراع الأفكار.

كما يمكن رصد ما سماه بثقافة “الإطراء” في بعض الخطابات المحلية؛ حيث يُفضَّل أحياناً الخطاب المريح الذي يعزز الشعور الجمعي دون مساءلة، على الخطاب النقدي الذي يطرح أسئلة صعبة حول الأداء السياسي أو الاجتماعي. لكن القضية الفلسطينية، بحكم تعقيدها وتشابكها الإقليمي والدولي، تحتاج إلى مثقف ناقد، لا إلى مثقف يكتفي بترديد الشعارات أو مجاراة المزاج العام.

الأخطر من ذلك هو التعامل مع الجمهور الفلسطيني بوصفه غير قادر على استيعاب النقاشات المعقدة المتعلقة بالقانون الدولي، أو استراتيجيات النضال، أو التحولات الجيوسياسية. فيُختزل الخطاب إلى تبسيطات عاطفية، بينما يُحجب النقاش العميق. هذا الانخفاض في سقف التوقعات الفكرية يُضعف المجتمع بدل أن يحميه.

في السياق الفلسطيني، يصبح الدفاع عن دور المثقف أكثر إلحاحاً، لا أقل. فالقضية ليست فقط معركة على الأرض، بل معركة على المعنى. والمثقف هنا ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية: هو من يصوغ السردية، ويحلل التحولات، وينتقد الأداء، ويحمي المعايير العقلية في زمن الاستقطاب والضغط.

إن ربط أطروحة فوريدي بالقضية الفلسطينية يقودنا إلى نتيجة واضحة: لا يمكن لقضية تحرر وطني أن تستمر بلا مثقفين مستقلين يمتلكون الجرأة على التفكير الحر، والدفاع عن الحقيقة، ومساءلة الذات قبل مساءلة الآخر. فاستعادة دور المثقف ليست مسألة ثقافية فحسب، بل شرط من شروط صمود الهوية وبقاء الرواية.

الكاتب ثامر سباعنة
مركز كن بلسما للتدريب والأبحاث

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا