الثلاثاء, أبريل 21, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالأسرى الفلسطينيون في زمن الحرب… حصار داخل حصار

الأسرى الفلسطينيون في زمن الحرب… حصار داخل حصار

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في كل مرة تتسع فيها دائرة الحرب في المنطقة، لا تبقى تداعياتها عند حدود الجبهات المشتعلة، بل تمتد لتصل إلى الزنازين المغلقة خلف الجدران العالية. ومع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، يعيش الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال واقعًا أكثر قسوة، حيث تتحول حالة الطوارئ المعلنة في الخارج إلى حالة عقاب جماعي في الداخل.

في كل مرة تُعلن فيها حالة الطوارئ، تتعمق معاناة الأسرى داخل السجون الإسرائيلية أكثر. فبمجرد إعلان الطوارئ تُفرض داخل السجون حالة تُسمى “القفل”، فتتحول الأقسام إلى فضاءات مغلقة بالكامل، وتُغلق الزنازين على من فيها لساعات طويلة قد تمتد إلى أربعٍ وعشرين ساعة متواصلة. في تلك اللحظات، يصبح السجن أكثر ضيقًا، وتتحول الزنزانة إلى عزلة قسرية خانقة، حيث يُحرم الأسرى من الحركة ومن الخروج إلى ساحة “الفورة”، وحتى من التواصل مع بقية الأسرى داخل القسم الواحد.

هذه الإجراءات لا تمثل مجرد ترتيبات أمنية كما تدّعي إدارة السجون، بل تشكل واقعًا يوميًا من الضغوط النفسية والجسدية المتراكمة. ففي كل حالة طوارئ تتسع عزلة الأسرى أكثر، ويُضاف حصار جديد داخل الحصار القائم أصلًا.

ومن أخطر الإجراءات التي تُتخذ في مثل هذه الظروف إلغاء جلسات المحاكم. فالأسرى، خاصة الموقوفين منهم، ينتظرون جلساتهم القضائية كنافذة أمل، أو على الأقل كفرصة لمعرفة مصيرهم القانوني. لكن في ظل الحرب يتم تأجيل هذه الجلسات إلى أجل غير مسمى، ما يعني تمديد الاعتقال الفعلي دون حسم قضائي. هذا التأجيل لا يطيل أمد المعاناة فحسب، بل يرسخ حالة من عدم اليقين لدى الأسرى وعائلاتهم، ويضعهم في دائرة قلق مفتوحة لا يعرفون متى تنتهي.

إلى جانب ذلك، يُمنع المحامون في كثير من الأحيان من زيارة الأسرى بحجة الظروف الأمنية. ويُعد هذا الإجراء من أخطر أشكال العزل، لأنه يقطع صلة الأسرى بالعالم الخارجي. فالمحامي ليس مجرد ممثل قانوني، بل هو عين الأسير وصوته خارج السجن، وعندما يُمنع من الزيارة يصبح ما يجري داخل السجون معتمًا، بلا شهود أو رواية يمكن نقلها إلى الخارج.

ولا تتوقف الإجراءات عند الجوانب القانونية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. إذ تتعمد إدارات السجون تأخير تقديم وجبات الطعام لساعات طويلة، وأحيانًا تُقدم باردة أو بكميات أقل من المعتاد. قد يبدو هذا الأمر تفصيلًا بسيطًا لمن ينظر من الخارج، لكنه داخل السجن جزء من منظومة ضغط ممنهجة. فالطعام في بيئة الأسر ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل عنصر أساسي في الحفاظ على توازن الأسير الجسدي والنفسي، وأي عبث به يتحول إلى وسيلة إضافية من وسائل الضغط والإذلال.

وتتضاعف هذه المعاناة خلال شهر رمضان المبارك، حيث لا يقتصر التضييق على الإجراءات الأمنية، بل يمتد ليطال حق الأسرى في ممارسة شعائرهم الدينية. فقد واصلت إدارات سجون الاحتلال خلال الشهر الفضيل فرض قيود مشددة شملت منع رفع الأذان داخل الأقسام، ومنع إقامة الصلوات الجماعية وصلاة التراويح، في محاولة لفرض عزلة روحية إلى جانب العزلة الجسدية التي يعيشها الأسرى.

كما أفاد أسرى بأن العديد منهم تعرضوا لاعتداءات جسدية ولفظية من قبل السجانين، لمجرد إعلان صيامهم أو طلبهم المصحف الشريف لقراءة القرآن خلال شهر رمضان. وتعكس هذه الممارسات مستوى التضييق الذي يواجهه الأسرى حتى في أبسط حقوقهم الدينية والإنسانية.

وفي سياق هذه السياسات، تتعمد إدارات السجون أيضًا تأخير تقديم وجبات الإفطار والسحور لساعات طويلة بعد موعدها، ما يزيد من معاناة الأسرى الصائمين. وفي بعض الحالات، يضطر أسرى إلى مواصلة الصيام لأيام متتالية نتيجة عدم توفير الطعام في الوقت المناسب، في ظل ظروف اعتقال قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

وإلى جانب كل ذلك، يُفرض تعتيم شبه كامل على أوضاع الأسرى خلال فترات الطوارئ والحروب. تنقطع الأخبار، وتُمنع وسائل الإعلام من الوصول إلى معلومات دقيقة حول ما يجري داخل السجون. وفي الخارج، تعيش عائلات الأسرى على الشائعات والتسريبات، دون قدرة حقيقية على الاطمئنان على أبنائها. هذا التعتيم لا يزيد فقط من معاناة الأسرى، بل يضاعف قلق العائلات التي تبقى في حالة ترقب وخوف دائمين.

أما العزل، سواء كان جماعيًا عبر سياسة “القفل”، أو فرديًا لبعض الأسرى، فيبقى من أقسى الإجراءات التي تُفرض داخل السجون. فالعزل يعني انقطاع الأسير عن رفاقه وعن الحديث وعن أي شكل من أشكال التواصل الإنساني. وفي زمن الحرب يصبح العزل أداة إضافية للضغط، وكأن السجن بحد ذاته لا يكفي، فيُضاف إليه سجن آخر داخل الزنزانة.

في المحصلة، تتحول الحروب والصراعات الإقليمية إلى ذريعة لتشديد القبضة على الأسرى الفلسطينيين، فتتضاعف الإجراءات القمعية، وتتقلص الحقوق، ويغيب أي أفق واضح لتحسن الأوضاع. وبينما تتركز أنظار العالم على الجبهات والصواريخ والتطورات العسكرية، يبقى آلاف الأسرى الفلسطينيين في صمت الزنازين، يعيشون حربًا أخرى غير مرئية، لكنها لا تقل قسوة عن تلك التي تدور خارج الأسوار.

إن ما يجري داخل السجون في أوقات الطوارئ ليس مجرد تدابير مؤقتة، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية. وفي كل مرة تُعلن فيها حالة الطوارئ، يعود السؤال ذاته ليُطرح من جديد: إلى متى سيبقى الأسرى الفلسطينيون الحلقة الأضعف التي تتحمل كلفة كل تصعيد سياسي أو عسكري في المنطقة؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا