السبت, مايو 9, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتمعمر الشحروري… خمسةٌ وعشرون عامًا من القيد ولم ينكسر النسر

معمر الشحروري… خمسةٌ وعشرون عامًا من القيد ولم ينكسر النسر

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

خمسةٌ وعشرون عامًا مرّت كأنها عمرٌ كامل من الوجع والصبر والغياب، وما زال الأسير الفلسطيني معمر فتحي شريف شحرور “أبو الشيخ” يقف شامخًا خلف القضبان، يحمل في قلبه وطنًا كاملًا، ويرفض أن ينحني رغم السجون والعزل والفقدان الطويل.

معمر الشحروري، ابن مدينة طولكرم، المولود في الحادي والعشرين من أيلول عام 1979، لم يكن يومًا إنسانًا عاديًا. فمنذ طفولته الأولى عرف طريق المقاومة، وحمل الحجر صغيرًا في أزقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بينما كانت قوات الاحتلال تستدعيه للتحقيق وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. كان طفلًا يكبر قبل أوانه، يرى وطنه يُذبح كل يوم، فيكبر داخله الغضب والوعي والانتماء.

نشأ معمر في بيئةٍ دينية ملتزمة، فعُرف بين الناس بتعلقه بالمساجد، وبهدوئه وخلقه الرفيع، وحبّه للناس. وبعد إنهائه الثانوية العامة، منعه الاحتلال من السفر لإكمال تعليمه، فالتحق بكلية خضوري في طولكرم، ودرس التربية الرياضية، وهناك بدأت ملامح شخصيته القيادية والتنظيمية تتشكل بصورة أوضح، فانخرط في صفوف الكتلة الإسلامية، وكان من أوائل من أسسوا العمل الطلابي الإسلامي داخل الكلية.

لم يكن معمر طالبًا جامعيًا فقط، بل كان أخًا للجميع، يفتح بيته للطلبة القادمين من المحافظات الأخرى، يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، ويقف في كل نشاط ومبادرة. أحبه الجميع لتواضعه وخفة ظله وروحه الحاضرة دائمًا.

لكن فلسطين في تلك السنوات لم تكن تسمح لشبابها أن يعيشوا حياةً عادية. جاءت انتفاضة الأقصى، وبدأ الاحتلال يمارس أبشع أشكال القتل والتدمير والاجتياحات، فسقط أصدقاء معمر شهداء، وامتلأت السجون برفاقه، ليجد نفسه أمام خيارٍ واضح: أن يتحول من حاملٍ للقلم إلى حاملٍ للبندقية.

انخرط معمر في العمل المقاوم، وأصبح واحدًا من أبرز المطلوبين للاحتلال في مدينة طولكرم. وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه بعملية “بارك” الشهيرة في نتانيا عام 2002، وهي العملية التي شكلت نقطة تحول كبيرة في الصراع، ودفع الاحتلال بعدها إلى تنفيذ عملية “السور الواقي” واجتياح مدن الضفة الغربية.

وفي التاسع من أيار عام 2002، وبعد مطاردة طويلة، حاصرت قوات الاحتلال المنزل الذي كان يتحصن فيه في ضاحية ذنابة شرق طولكرم. كانت المنطقة تبدو كساحة حرب؛ طائرات في السماء، ودبابات وآليات عسكرية وجنود في كل مكان، بينما كانت مكبرات الصوت تنادي باسمه مطالبةً إياه بالاستسلام.

سبع ساعات من الحصار عاشها معمر تحت تهديد القتل، قبل أن يستخدم الاحتلال والدته وشقيقته للضغط عليه. يومها نادته أمه بصوتٍ مكسور: “يا بطل… الله يرضى عليك سلّم نفسك”. خرج معمر حينها مرفوع الرأس، مبتسمًا رغم القيود، وكأنه كان يدرك أن رحلة العذاب الحقيقية قد بدأت.

خضع لتحقيقٍ قاسٍ ووحشي استمر أكثر من ثلاثة أشهر، ثم أصدرت محكمة الاحتلال بحقه حكمًا بالسجن المؤبد 29 مرة، إضافة إلى عشرين عامًا. تنقل بين عدة سجون، وعانى العزل والتنكيل والحرمان من الزيارة لسنوات طويلة، لكنه بقي صلبًا، محافظًا على هدوئه وإيمانه.

ولعل أكثر ما يكسر قلب الأسير ليس السجن نفسه، بل الفقدان. فقد توفي والد معمر بعد أشهر قليلة من اعتقاله، إثر جلطة أصابته بعدما شاهد ما تعرض له ابنه من تعذيب وأحكام قاسية. ثم لحقت به والدته التي رحلت وهي تحمل في قلبها ألمًا لا ينطفئ على ابنها الأسير. ولم يسمح الاحتلال لمعمر بوداع والديه أو احتضانهما للمرة الأخيرة، كما فقد شقيقه أيضًا خلال سنوات اعتقاله الطويلة.

ورغم كل ذلك، لم ينكسر الرجل.

خمسة وعشرون عامًا داخل الزنازين لم تُطفئ حضوره، بل زادته قوة في أعين الأسرى ومحبيه. كان دائم المشاركة في الإضرابات والحراك النضالي داخل السجون، ومن أبرز الأسرى الذين خاضوا إضراب عام 2012 دفاعًا عن كرامة الحركة الأسيرة. واليوم يواصل الاحتلال سياسة العزل بحقه ضمن استهدافٍ ممنهج لقادة الحركة الأسيرة الفلسطينية، في محاولة لتحطيمهم نفسيًا وجسديًا.

لكن الاحتلال لم يفهم حتى الآن أن بعض الرجال لا تهزمهم الجدران.

معمر الشحروري ليس مجرد رقم في سجل الأسرى، بل حكاية وطنٍ كامل، حكاية جيلٍ آمن أن الحرية تستحق العمر كله. خمسة وعشرون عامًا من القيد لم تنتزع من قلبه الأمل، ولم تُسقط قامته، بل جعلت منه رمزًا للصبر والصمود والثبات.

وفي ذكرى مرور خمسة وعشرين عامًا على اعتقاله، يبقى السؤال معلقًا في ضمير العالم: كيف يمكن لإنسان أن يُسلب ربع قرن من عمره فقط لأنه أحب وطنه؟

سيبقى معمر، كما عرفه الناس دائمًا، ذلك النسر الذي حلق عاليًا فوق الألم، وترك خلفه قيد السجان صغيرًا أمام اتساع الروح والإيمان.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا