الخميس, مايو 21, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الثقافيةأجساد خاضعة وفضاءات مخترقة: الفلسفة الفوكوية في مواجهة الواقع الفلسطيني

أجساد خاضعة وفضاءات مخترقة: الفلسفة الفوكوية في مواجهة الواقع الفلسطيني

السكة – المحطة الثقافية – ثامر سباعنة

كتاب ( المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن ) للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الصادر عام 1975 يُعد من أبرز المراجع الفلسفية والاجتماعية التي فككت آليات السلطة الحديثة.

يطرح فوكو في كتابه أطروحة أساسية:

السلطة في العصر الحديث لم تعد تعتمد على العنف الجسدي المشهدي العلني (كالتعذيب والإعدام في الساحات العامة) لفرض سيطرتها، بل انتقلت إلى “السلطة الانضباطية” (Disciplinary Power).

هذه السلطة تسعى إلى صناعة “أجساد طائعة” عبر المراقبة المستمرة، والتقسيم المكاني الصارم، والجدولة الزمنية، بهدف جعل الأفراد يستدخلون عين السلطة داخل نفوسهم، فيراقبون أنفسهم بأنفسهم. والمفهوم الأبرز الذي وظّفه فوكو هنا هو “البانوبتيكون” (Panopticon)**؛ وهو تصميم هندسي للسجن يتيح لمراقب واحد في برج مركزي أن يرى جميع السجناء دون أن يتمكنوا من رؤيته، مما يجعل السجين يشعر بأنه تحت المراقبة الدائمة حتى وإن كان البرج فارغاً.

عند إسقاط هذه النظرية الفوكوية على الواقع الفلسطيني، نجد أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل نموذجاً متطوراً (وهجيناً) يجمع بين تكنولوجيا المراقبة الانضباطية الحديثة وعنف “السلطة السيادية” الكلاسيكية.

فيما يلي مناقشة للكتاب وتطبيقاته على الواقع الفلسطيني وفق المحورين المطلوبين:

المحور الأول: الأسرى الفلسطينيون وسجون الاحتلال (هندسة الطاعة والتحكم بالجسم)

تعتبر سجون الاحتلال الإسرائيلي تطبيقاً حرفياً ومكثفاً لـ “الميكرو-فيزياء الدقيقة للسلطة” التي تحدث عنها فوكو، حيث يتم تفكيك شخصية الأسير وإعادة صياغتها كـ “جسد خاضع” عبر آليات محددة:

العزل والتقسيم المكاني (Partitioning):يتم عزل الأسرى وتوزيعهم بناءً على تصنيفات تنظيمية وجغرافية وسياسية دقيقة. العزل الانفرادي يمثل أقصى درجات التقسيم؛ حيث يُفصل الجسد تماماً عن المحيط لكسر الروح المعنوية، وتحويل الفضاء المكاني إلى أداة عقاب وضبط.

الجدولة الصارمة للوقت (Time-Table): تفرض إدارة السجون جدولاً يومياً لا يحيد عنه الأسير: مواعيد “العدد” المتكررة (التي تجبر الأسير على اتخاذ وضعية جسدية معينة تدل على الخضوع)، مواعيد الفورة (الخروج إلى الساحة)، ومواعيد الطعام والنوم. هذا التحكم بالوقت يهدف إلى سلب الأسير سيادته على جسده ويومه.

البانوبتيكون داخل الزنزانة:تنتشر الكاميرات وأبراج المراقبة في كل زاوية من السجن. المعرفة بأن “العين الأمنية” قد تكون شاخصة في أي لحظة تجعل الأسير في حالة استنفار نفسي دائم، وهي محاولة لفرض الرقابة الذاتية بحيث يضبط الأسير سلوكه خوفاً من العقاب الفوري أو الحرمان من الميزات البسيطة (كالزيارة أو الكانتين).

المعرفة والسلطة (Knowledge/Power):يربط فوكو بين إنتاج المعرفة وفرض السلطة. في غرف التحقيق وسجلات المخابرات (الشاباك)، يتم بناء ملفات معرفية ضخمة ومستمرة عن كل أسير: تفاصيله النفسية، نقاط ضعفه، علاقاته الاجتماعية. هذه “المعرفة” تُستخدم كأداة لتوليد “السلطة” والتحكم بالأسير وحتى ببيئته الخارجية من خلال الاعتقال الإداري المتجدد بناءً على “ملفات سرية” (معرفة لا يراها إلا صاحب السلطة).

المحور الثاني: الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة (البانوبتيكون المفتوح والرقمي)

لا تنتهي حدود السجن في الفلسفة الفوكوية عند الأسوار والأسلاك الشائكة، بل يرى فوكو أن آليات السجن تتسرب إلى المجتمع ككل (المدارس، المستشفيات، الثكنات). في السياق الفلسطيني، تحول كامل الفضاء الجغرافي في الضفة الغربية، القدس، وقطاع غزة إلى “بانوبتيكون مفتوح” ضخم.

الحصار المكاني والجدار والكانتونات:جدار الفصل العنصري، الحواجز العسكرية الثابتة والمطيّرة، والأبراج العسكرية المنتشرة على قمم التلال، هي تجسيد مادي لتقسيم الفضاء الفوكوي. يتم حصر الفلسطينيين في “معازل” جغرافية (مناطق أ، ب، ج) يسهل إغلاقها ومراقبتها كلياً بجهد بشري وعسكري محدود.

البانوبتيكون الرقمي والبيومتري:طور الاحتلال أدوات المراقبة ليتجاوز البرج التقليدي إلى “البرج الرقمي”. استخدام أنظمة التعرف على الوجوه مثل الذئب الأزرق (Blue Wolf) والذئب الأحمر (Red Wolf) على الحواجز وفي القدس، والاعتماد على طائرات الاستطلاع (الزنانة) في غزة، وبرمجيات التجسس الرقمي؛ كل هذا يخلق بيئة يشعر فيها الفلسطيني في حياته اليومية بأنه مرئي ومكشوف بالكامل، سواء كان يسير في الشارع أو يكتب على منصات التواصل الاجتماعي.

استدخال المراقبة (Internalization) ونظام التصاريح:لكي يمارس الفلسطيني حياته الطبيعية (العمل، العلاج، السفر، الصلاة في القدس)، يحتاج إلى “تصريح” من الإدارة المدنية للاحتلال. هذا النظام يجبر الفرد الفلسطيني على ممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكه، وأفكاره، ومنشوراته لضمان بقاء سجله “نظيفاً” أمنياً. هنا تنجح السلطة الانضباطية في جعل الضحية يراقب نفسه بنفسه لتجنب العقاب (المنع الأمني).

الدمج بين “الانضباط الحديث” و”عنف السيادة الكلاسيكي”:ما يميز الواقع الفلسطيني مقارنة بنظرية فوكو، هو أن الاحتلال لم يتخلَّ عن العقاب المشهدي الكلاسيكي لصالح الانضباط السري؛ بل يدمجهما معاً. هدم المنازل، الاقتحامات الليلية، الحواجز المهينة، وقصف الأحياء السكنية، هي أدوات “سلطة سيادية” كلاسيكية تهدف إلى استعراض القوة والترهيب، وتعمل جنباً إلى جنب مع أدوات المراقبة الذكية والخفية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا