الخميس, أبريل 16, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الثقافيةمسلسل "مولانا" بوصفه مختبرًا للسلطة والهيمنة

مسلسل “مولانا” بوصفه مختبرًا للسلطة والهيمنة

السكة – المحطة الثقافية – بقلم مهيب الرفاعي 

يقدّم مسلسل “مولانا”، من تأليف وسيناريو وحوار سامر البرقاوي وكفاح زيني، وبطولة تيم حسن وفارس الحلو ومنى واصف، وإنتاج شركة “سيدارز آرت برودكشن”، مادة درامية تتجاوز الحكاية الفردية نحو بناء نموذج تحليلي متكامل، يشرح آليات تشكّل السلطة والهيمنة داخل مجتمع هامشي يتحرك عند تقاطع العسكر والاقتصاد الريعي والرمز الديني والحاجة الجماعية إلى الخلاص. يكشف العمل، بطريقة التنبؤ الدرامي وعبر بنائه السردي المبني على قصص واقعية من الذاكرة الريفية، كيف تتحول سيرة رجل قاتل وهارب ومتوارٍ عن الأنظار إلى محور لإعادة إنتاج منظومة نفوذ كاملة، ويعرض كيف تتكوّن الشخصية الكاريزمية داخل بيئة اجتماعية تبحث عن مركز معنوي ينظم خوفها وأملها.

على مستويات تحليلية أعمق، يوضح المسلسل كيف تتداخل القوة الصلبة التي يمثلها العسكر مع القوة الرمزية التي يمثلها الخطاب الديني (الروحاني)، فتنتج صيغة طاعة مستقرة تقوم على القبول الشعبي بقدر ما تقوم على السيطرة المادية؛ كما يُبرز النص كيف يتحول الدين إلى أداة تنظيم اجتماعي عالية الفاعلية السياسية، فتُعاد من خلاله صياغة العلاقات داخل قرية “العادلية” والعلاقات مع قرى المحيط الجغرافي، وتضبط المسارات الاقتصادية والاجتماعية، وتُدار التوترات الأمنية، ويُبنى نظام هرمي تتكامل فيه السلطة العسكرية مع الشرعية الرمزية ضمن شبكة هيمنة متماسكة.

يكشف “مولانا” في النص والحوار اشتغاله على تفكيك مفهوم السلطة من جذوره، ويعرض الهيمنة بوصفها بناءً مركبًا يقوم على إنتاج معنى مقنع بقدر ما يقوم على ممارسة القوة؛ بحيث يوفّر العسكر السيطرة المادية عبر الأرض والسلاح والإجراءات، ويوفّر الرمز الديني–الروحاني السيطرة المعنوية عبر الخطاب والبركة والتعبئة الروحية، ويعيد الاقتصاد توزيع المنافع بطريقة تضمن استمرارية المنظومة وتوازن مصالح أطرافها.

تحوّل الحبكة “العادلية” إلى نموذج مصغّر لدولة تُدار عبر توازن محسوب بين القوة الصلبة والشرعية الرمزية، ويأخذ الدين موقعًا مركزيًا في تثبيت النظام من خلال منحه الناس شعورًا بالخلاص والانتماء، ومنحه السلطة قدرة على إدارة المجتمع ضمن مناخ من القبول العام؛ وتتكامل هذه العناصر لتنتج بنية حكم متماسكة تتغذى على التكامل بين السيطرة والإقناع.

تدفع هذه القراءة المسلسل إلى فضاء يتجاوز الدراما الاجتماعية نحو دراسة سياسية معمّقة في صناعة الهيمنة وبناء القبول وإعادة إنتاج السلطة، عبر تلاقي الدين والعسكر والاقتصاد داخل مجتمع يسعى إلى معنى يمنحه التماسك ويؤسس لاستقراره.

من الجريمة الفردية إلى الشرعية الكاريزمية

ينطلق المسلسل من فعل دموي شخصي يرتكبه جابر (تيم حسن)، حين يقتل صهره الضابط في مخابرات الأسد إثر اعتداءاته المتكررة على شقيقته، فتتفجّر لحظة القتل بوصفها انفجارًا مكثفًا للعنف الكامن داخل بنية أمنية تضغط على الفرد وتدفعه إلى حافة الفعل الأقصى للانتقام، لا سيما أنه كان معتقلًا في سجن يعمل به صهره أساسًا. يدفع هذا الحدث جابر إلى الهرب، فتبدأ رحلة القطار بوصفها معبرًا سرديًا ورمزيًا بين عالمين؛ عالم المدينة المثقل بقبضة الأجهزة، وعالم “العادلية” المشحون بالأسطورة والانتظار. يحمل القطار هنا دلالة انتقال من هوية إلى أخرى، ومن اسم إلى اسم، ومن موقع مطارد داخل منظومة رسمية إلى موقع محتمل داخل سردية شعبية تبحث عن بطل.

يحوّل اللقاء العابر في عربة القطار بين جابر وسليم العادل (يحيى مهايني) لحظة المصادفة إلى مفصل قدري، حيث يجلس رجل هارب إلى جانب حفيد وليّ تنتظره قرية كاملة لتستعيد عبره أرضها وبركتها؛ ليفتح هذا التوازي الباب أمام انتقال رمزي عميق؛ إذ يجمع القطار بين سيرة شخصية مشبعة بالدم، وسيرة وراثية مشبعة بالقداسة، فتتشابك المصائر داخل فضاء متحرك يعكس هشاشة الحدود بين الحقيقة والسردية. يرسّخ حادث السير الذي يعقب الرحلة فكرة العبور النهائي، فيخرج جابر وحده حيًا من الوادي، ويخرج معه اسم جديد يتيح له إعادة كتابة وجوده، فيأخذ جواز السفر بوصفه وثيقة عبور قانوني ورمزي في آنٍ معًا، ويبدأ تشكّل هوية “مولانا” من لحظة مادية ملموسة تتحول سريعًا إلى بناء تخييلي واسع.

ينتقل جابر من العنف الفردي إلى الشرعية الكاريزمية عبر سلسلة تفاعلات اجتماعية تتلقف الشخصية وتعيد إنتاجها وفق حاجاتها؛ إذ تستقبل “العادلية” الرجل باسم ينتظره أهلها منذ سنوات، وتنسج حوله قصصًا ونبوءات، وتقرأ في حضوره تحققًا لتاريخ روحي متوارث، فتتكوّن هالة تتغذى على التوقعات أكثر مما تتغذى على الوقائع. عمومًا، يصنع الاعتقاد الجمعي شرعية تتجاوز السيرة الفعلية، وتتحول الهوية إلى مرآة تعكس رغبة المجتمع في الخلاص، فينشأ ما يمكن تسميته بالشرعية التخيلية التي تستمد قوتها من تكرار الحكايات وتراكم الإشارات وتطابق المصادفات مع المخيال الشعبي.

يكشف هذا التحول أن الشرعية تتشكل داخل الوعي الجمعي بوصفها استجابة لحاجة عميقة إلى النظام ووجود معنى واضح للسعي والوصول، حيث يبحث الناس عن شخصية تختصر الفوضى وتمنحهم مركزًا رمزيًا يدورون حوله. يعبّر “مولانا” عن انتقال السلطة من كونها موقعًا رسميًا تحتكره الدولة إلى كونها تمثيلًا رمزيًا يصنعه المجتمع ويمنحه ثقته ويضع مقدراته تحت تصرفه، فتتراجع أهمية البيوغرافيا الحقيقية أمام سطوة السردية الشعبية المتداولة، ويتقدم الإيمان الجماعي ليصوغ واقعًا جديدًا تُعاد فيه كتابة الماضي وتُستثمر فيه اللحظة الراهنة فقط ولا شيء سواها.

يجسّد هذا المسار لحظة تأسيس لسلطة تقوم على الكاريزما، أي كاريزما الرجل المخلّص، حيث تتبلور شخصية القائد داخل فضاء اجتماعي مهيأ لتصديقها، وتتقاطع مع بنية جسدية مليئة وواضحة ومميزة وتعابير وجه معدّلة لتتناسب مع حاجة الجمهور في القرية، وتتحوّل الرحلة من مجرد انتقال جغرافي للبطل إلى معبر درامي يعيد توزيع مواقع القوة، ويحوّل القاتل المطارد إلى رمز يُستقبل بوصفه امتدادًا لسلالة مباركة، فتتكوّن معادلة جديدة تنقل مركز الثقل من المؤسسة الرسمية إلى المخيال الشعبي، وتفتح الباب أمام تشكّل هيمنة رمزية تتغذى على الإيمان، وتستند إلى توق الجماعة إلى معنى يعيد ترتيب عالمها.

الهيمنة بين القسر والإقناع

يجسّد “مولانا” مفهوم الهيمنة بوصفها صيغة توازن دقيقة تجمع بين القسر والإقناع داخل بنية واحدة متكاملة، حيث تلتقي القوة العسكرية بالقبول الاجتماعي لتنتج نظامًا مستقرًا لإدارة المجتمع؛ إذ تمثل الثكنة، التي يشرف عليها العقيد كفاح (فارس الحلو)، البنية الصلبة للسلطة، فتظهر عبر الحواجز المنتشرة على مداخل القرية والثكنة، والألغام المزروعة في الأرض، وحملات الاعتقال و”التعفيش”، ومنظومة الأتاوات التي تنظّم حركة البضائع والأرزاق، فتفرض حضور الدولة بوصفها قوة مادية صلبة تتحكم بالحيّز العام وتضبط المجال الحيوي للقرية. في المقابل، يجسّد “مولانا” القوة الرمزية التي تبني الطاعة الطوعية عبر الخطاب الروحي، وتمنح الناس شعورًا بالطمأنينة والمعنى، فتتحول البركة إلى لغة سياسية–أمنية غير معلنة تنظم العلاقة بين المجتمع والسلطة.

تؤسس العلاقة بين العقيد كفاح و”مولانا” صيغة تبادل وظيفي تقوم على إدراك متبادل لطبيعة المصالح، حيث ترى المؤسسة العسكرية في الرمز الديني أداة فعالة لاحتواء التوتر الاجتماعي، وتنظيم الغضب والحشد الشعبي ضمن مسارات قابلة للضبط، وتخفيف الاحتكاك المباشر بين القوة المسلحة والناس. يعيد الرمز الديني صياغة مطالب الأهالي بلغة الوساطة والشفاعة، ويحوّل المطالب الاقتصادية إلى صفقات قابلة للتفاوض، فيمنح العسكر هامشًا لإدارة المجتمع دون انزلاق دائم نحو المواجهة الواسعة كما حصل منذ سنوات في “العادلية”. يدرك “مولانا” في الوقت نفسه أن حضوره يحتاج إلى مساحة حركة تضمنها المؤسسة الأمنية، فيدخل معها في مفاوضات تكشف وعيًا بطبيعة التوازنات، وقدرة على قراءة حدود القوة وإمكانات المناورة.

مع العلم بطبيعة “العادلية” وماهيتها، يجتمع العقيد كفاح مع “مولانا” في مكتب الثكنة، ويستشعر من خلال الحديث معه، وبخبرته العسكرية والأمنية، أنه مخادع ولا ينتمي إلى الصف الديني–الروحاني الحقيقي؛ ليقول له بعد حوار تداخلت فيه النكتة مع الاقتصاد بالأمن: “أوووووففف.. لعّييييب”، تعبيرًا عن إدراكه التام أنه يمكن اختراق “العادلية” من خلال تسهيل مهام ورغبات هذا الشاب المدّعي.

يكشف اتفاق موسم الزيتون (نزع الألغام من الأرض المباركة مقابل 40 ألف دولار) عن الإطار المؤسس لإنتاج الهيمنة داخل القرية، حيث تمثل الأرض الملغومة احتكارًا عسكريًا للحيّز المادي يمنح الثكنة القدرة على التحكم بمورد الحياة الأساسي، وتمثل البركة احتكارًا رمزيًا للحيّز المعنوي يمنح “مولانا” سلطة على المخيال الجمعي، ويمثل المال نقطة التقاء المصالح التي تترجم التفاهم إلى واقع ملموس بين الديني والعسكري. تتحول صفقة الزيتون إلى لحظة تأسيس لنظام حكم مصغّر يقوم على توزيع وترتيب الأدوار، فتمنح الدولةُ الرمز الديني قدرة على الحركة والنفوذ داخل المجتمع، ويمنحها الرمز استقرارًا اجتماعيًا يعزز شرعيتها، ويتكوّن بذلك شكل من أشكال الهيمنة المركبة، التي تتغذى على التكامل بين القوة الصلبة والشرعية الرمزية، ضمن معادلة واحدة تحكم “العادلية” وتعيد إنتاج توازنها الداخلي.

الدين كأداة إعادة إنتاج النظام

يعيد المسلسل صياغة الدين بوصفه أداة مركزية في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي، ويعرضه كبنية خطابية قادرة على تنظيم ألم الذاكرة الجمعية، وتحويله إلى معنى قابل للتحمّل داخل مجتمع يرزح تحت ضغط الفقر والبطالة والرغبة بالهجرة والهروب والقبضة الأمنية. تعيش “العادلية” حالة اختناق اقتصادي واجتماعي تجعلها تبحث عن تفسير يمنح حياتها قيمة تتجاوز قسوة الواقع، فيتقدّم “مولانا” بوصفه حاملًا لسردية كبرى تعيد ترتيب المعاناة ضمن إطار قدري وروحي، وتمنح الأهالي شعورًا بأنهم جزء من مسار أوسع من تفاصيل يومهم الضيق. يصوغ الخطاب الديني هنا لغة تفسّر الخسارة بوصفها امتحانًا، والفقر ابتلاءً، والانتظار وعدًا مؤجلًا، فتتحول المعاناة إلى مادة رمزية تعاد قراءتها ضمن منظومة إيمان تعزز التماسك الداخلي.

يحمل هذا التحول وظيفة سياسية إذ يتحول الدين إلى أداة لامتصاص التوتر الطبقي والسياسي، عبر إعادة توجيه المطالب من مجال الحقوق إلى مجال البركة واستسقاء الرحمة عبر وسيط روحي، ومن لغة العدالة إلى لغة الدعاء، فتتبدّل طبيعة المطالبة من صراع على توزيع السلطة والثروة إلى طلب للشفاعة والحماية. يعيد الخطاب الروحي صياغة الغضب ضمن مسار وجداني يخفف حدته، ويحوّل الطاقة الاحتجاجية إلى طاقة تعبّد وانتظار (كما في مشهد الابتهال وإشعال الجرن القديم بزيت الزيتون المبارك تحت الشجرة الكبرى عند ساحة القرية، إيذانًا ببدء العمل ببركة “مولانا”) فتستقر البنية الاجتماعية داخل إيقاع من الطاعة الطوعية، وتستمر علاقات القوة ضمن ترتيبها القائم.

يتقاطع هذا المسار مع تصورات فكرية ترى في الدين وسيلة لإنتاج حالة من الرضا الرمزي، حيث يمنح الإيمان شعورًا بالسكينة يعيد ترتيب الوعي الجماعي، ويخلق إحساسًا بالانسجام مع الواقع مهما بلغت قسوته؛ كما يتيح هذا المناخ للسلطة مساحة لإدارة مصالحها وإعادة تنظيم مواردها بعيدًا عن ضغط انفجار اجتماعي واسع، فيتحوّل الخطاب الديني إلى عنصر توازن داخل معادلة الحكم. غير أن المسلسل يتجاوز فكرة الغطاء الأيديولوجي، فيعرض الدين بوصفه شريكًا فعليًا في إدارة المجتمع، حيث يشارك “مولانا” في تنظيم العلاقات بين الأهالي، وفي توزيع المنافع الاقتصادية، وفي صياغة التسويات مع المؤسسة العسكرية، فتغدو البركة لغة تفاوض، وتتحوّل الخطبة إلى أداة تنظيم، ويتكوّن نظام اجتماعي متكامل تتداخل فيه القداسة مع السياسة ضمن شبكة واحدة تعيد إنتاج النظام وتمنحه استمراريته.

الاقتصاد السياسي للبركة

يعيد المسلسل تعريف البركة بوصفها رأسمالًا سياسيًا قابلًا للتداول داخل سوق النفوذ، ويحوّلها من مفهوم روحي عائم إلى أداة تدخل مباشرة في توزيع الموارد المتمثلة بالأرض والزيت والزيتون وإيرادات التهريب عبر الحدود وتنظيم المصالح. ينقل “مولانا” البركة من فضاء الدعاء والكرامات إلى طاولة التفاوض حين يتولى ملف موسم الزيتون، فيربط فتح الأرض الملغومة بصفقة مالية، ويحوّل حصاد الزيتون إلى حدث اقتصادي مشروط بترتيب سياسي مع الثكنة. يصير موسم الزيتون لحظة تأسيس لاقتصاد جديد تتحرك فيه الرمزية الدينية داخل دورة إنتاج حقيقية، فتدخل البركة المعصرة، وتختلط بزيت الزيتون، وتتحول إلى قيمة مضافة تمنح المنتج معنى يتجاوز وزنه المادي؛ ويصبح المنتج رقم واحد في المنطقة بحجة الاستشفاء والبركة، لا سيما وأنه “من أول مطرة.. من أول قطفة.. بعد أول عصرة”.

تكشف الأتاوات التي تفرضها الثكنة على كل شاحنة تمرّ وكل صندوق يُنقل عن نظام ريعي يقوم على تحصيل الموارد عبر السيطرة الأمنية على الحيّز، حيث تتحول الحواجز إلى نقاط جباية، وتتحول الألغام إلى أدوات احتكار، وتصبح الأرض نفسها رهينة بقرار عسكري. يدخل “مولانا” إلى هذا النظام بوصفه وسيطًا يملك مفاتيح المخيال الشعبي، فيربط بين حق الأهالي في الوصول إلى أرضهم وبين قدرته على التفاوض، ويعيد تقديم الصفقة بوصفها ثمرة بركة وجهد جماعي، فيمنح الناس منفذًا إلى موردهم الأساسي، ويمنح نفسه موقع المدير غير الرسمي للاقتصاد المحلي؛ ويُنشئ “مولانا” صندوق جباية تحت عنوان التبرعات للزيت المبارك، ويحوّل الطقس الديني إلى آلية مالية منظّمة، فتتعالى الأناشيد، وتتجمع الحشود بأوامره، وتبدأ دورة الزيت المبارك في مشهد يجمع بين الطقس والاقتصاد، حيث تتحرك الأموال بفعل الخطاب الروحي، ويتشكل وعي جماعي يرى في المشاركة مساهمة في مشروع مقدّس. يعلن “مولانا” في إحدى لقاءاته مع شهلا (نور علي)، وهي شقيقة سليم العادل، الحفيد الحقيقي، أن مبلغ 40 ألف دولار عاد إليها من خلال عائدات الزيت، ويطرح فكرة تخصيص رواتب للشباب الذين يساعدونه، فيؤسس طبقة ولاء ترتبط به مباشرة، ويحوّل البركة إلى مصدر تمويل يعيد توزيع العائد وفق شبكة قربى سياسية جديدة.

تتجسّد هنا بنية الهيمنة في صورتها المركبة؛ بحيث يسيطر العسكر على الأرض بما تملكه من قدرة على المنع والسماح، ويسيطر الرمز الروحي على المخيال الجمعي بما يملكه من قدرة على التعبئة والتوجيه، ويسهم الناس في تثبيت المعادلة عبر المشاركة والطاعة والإنشاد والعمل ضمن الإطار الذي يرسمه “مولانا”. يتكوّن اقتصاد سياسي للبركة تتحول فيه القداسة إلى غطاء شرعي لعملية جباية منظمة، ويتحوّل الزيت إلى سلعة مشبعة بدلالة رمزية، وتتحول الصفقة إلى لحظة تأسيس لبنية نفوذ تدمج بين الريع الأمني والرأسمال الرمزي في معادلة واحدة تدير “العادلية” وتعيد إنتاج توازناتها.

سيكولوجيا الجماهير وصناعة الرمز

يكشف المسلسل تركيبًا نفسيًا جماعيًا دقيقًا يوجّه سلوك الجماهير داخل فضاء مغلق تتكاثف فيه العزلة والفقر والخوف، فتتشكل حاجة عميقة إلى مرجعية معنوية عليا تُحال إليها القرارات وتُعاد عبرها قراءة الواقع وفهمه. تولّد الضغوط اليومية على قرية “العادلية” حالة من الإرهاق الذهني تدفع الأفراد إلى البحث عن شخصية تتحمّل عنهم مسؤولية الاختيار، وتقدّم تفسيرًا واضحًا ومباشرًا للأحداث، وتمنحهم درجة من الثبات تقلّص شعورهم بالتشتت أمام تعدد الاحتمالات وأمام بطش العسكر في الثكنة. وينشأ عن ذلك استعداد نفسي للتفويض الواسع، لتتوسع سلطة “القائد” وتتجاوز وظيفته المعلنة وتتحوّل إلى مرجعية شاملة تنظّم التفاصيل الصغيرة والكبيرة، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ضمن منظومة ذهنية تربط الطاعة بالحماية وتجعل القرب من القائد علامة على الانتماء والقيمة.

تؤدي جورية (منى واصف)، بوصفها المرأة الأكبر سنًا والحافظة لإرث “العارف بالله سليم العادل”، دورًا محوريًا في تكريس صورة “مولانا” داخل المخيال الشعبي، حيث تستحضر ذكرياتها القديمة، وتروي القصص التي سمعتها في طفولتها، وتعيد إنتاجها في المجالس بوصفها شهادات حيّة على امتداد السلالة الروحية. تحوّل عبارتها المتكررة “كل شي لازم يعرف فيه مولانا” هذه الشخصية إلى مرجعية نهائية تُحال إليها التفاصيل الصغيرة والكبيرة، فتنتقل السلطة من نطاق الفعل المحدود إلى نطاق الإشراف الشامل؛ لتعمل المرويات التي ترويها جورية كآلية تثبيت رمزي، إذ تمنح “مولانا” أصالة تاريخية، وتربطه بسلسلة قداسة متوارثة، وتخلق استمرارية بين الماضي والحاضر تعزز شرعيته.

تتكوّن طبقات رمزية داخل الجماعة تعكس درجة الولاء والانخراط، ويمنح الانتماء إلى الدائرة الأقرب من القائد شعورًا بالتماسك والهوية، ويخلق إحساسًا بالمشاركة في مشروع يتجاوز حدود الفرد ويمنحه معنى أوسع لدوره داخل الجماعة. تعمل آلية العدوى العاطفية في هذا السياق بوصفها محرّكًا رئيسيًا لتكريس سلطة “مولانا”، حيث تنتقل الحماسة والخشوع واليقين والتوبة من شخص إلى آخر في ” العادلية” عبر الطقوس الجماعية والتجمعات والخطاب المتكرر، فينشأ وعي جمعي يتماهى مع صورة القائد ويعيد إنتاجها باستمرار. يعزّز التكرار هذا التماهي، فتتحول العبارات البسيطة إلى مسلمات راسخة، ويغدو “مولانا” مرجعية أخلاقية عليا تتجاوز حدود الدور العملي، فتتكرس هرمية طوعية تقوم على اقتناع داخلي بأن وجود مركز واحد للقرار يوفر حماية رمزية من الفوضى، ويعيد تثبيت التوازن النفسي داخل جماعة تعيش تحت ضغط دائم.

يمنح الإيمان الجماعي شعورًا بالقوة والانتماء، فيتحول الاقتراب من “مولانا” إلى وسيلة لاكتساب موقع داخل البنية الاجتماعية؛ إذ يمنح الانضمام إلى دائرة البركة مكانة ورأسمالًا معنويًا، ويخلق شبكة ولاء تتعزز عبر الطقوس والإنشاد والتجمعات العامة. تترسخ صورة القائد الشامل تدريجيًا، ويتشكل اقتناع داخلي بضرورة وجود مركز واحد يضبط مسارات العمل في “العادلية” فتقوم هرمية طوعية تستند إلى الرغبة في الاستقرار، وتستمد قوتها من اقتناع الجماهير بأن القيادة الموحدة توفر وضوحًا ومسارًا جماعيًا في فضاء مشحون بالقلق.

العسكر كعمود فقري للنظام

تخضع الأنظمة الشمولية المجال الديني لسلطتها وعلاقاتها، فتعيد تشكيلَه ضمن هندسة الحكم وتدرجه داخل البنية البيروقراطية للدولة، وتحوِّله إلى مجالٍ مُدار يخضع للترخيص والمراقبة والتنظيم؛ وتعيد المؤسسة العسكرية تعريف الدين بوصفه إطارًا رمزيًا مضبوطًا يُستثمر لإسناد خطاب الاستقرار والانضباط، وتحدّد معاني الطاعة ووحدة الجماعة بما يتوافق مع مركزية القرار وتسلسل السلطة. تُقنّن الدولة الخطاب الديني وتُحاصر استقلاله عبر ضبط المنابر والفتوى، وتعيد توجيه حضوره في المجال العام بحيث يبقى تحت سقف الأمن القومي وتراتبية الحكم. تُحافظ السلطة، عمومًا، على احتكار العنف وتنظيم الولاءات، وتُدرج الدين ضمن منظومة الضبط الاجتماعي بوصفه موردًا رمزيًا يُدار من أعلى، فتتشكل علاقةُ هيمنةٍ يتحرك فيها المجال الديني داخل حدودٍ ترسمها الدولة وتخضع لإرادتها السياسية.

تمثّل الثكنة العسكرية في “العادلية” العمود الفقري للنظام السياسي المصغّر داخل القرية، وتؤسس حضور الدولة بوصفها قوة مادية منظِّمة للمجال العام عبر الألغام المزروعة في الأرض، والاعتقالات الجماعية، والمداهمات الليلية ومنع التجول، والخطاب العسكري الذي يفرض منطقه على الفضاء الاجتماعي. تفرض المؤسسة العسكرية شروط الحركة والعمل والإنتاج، وتحدّد مسارات الحياة اليومية من خلال السيطرة على الأرض والطرق والموارد، فتتشكل بنية حكم تستند إلى الاحتكار المادي للقوة والقدرة على المنع والسماح.

تكشف الحبكة في الوقت نفسه حاجة هذه القوة إلى غطاء اجتماعي يمنحها قابلية الاستمرار، فتتقدم الشخصية الدينية بوصفها عنصر استكمال للبنية السلطوية، وتدخل في علاقة تبادلية مع العسكر تُنتج صيغة متكاملة للهيمنة. يلتقي السلاح بالروحانية داخل معادلة واحدة توزّع الأدوار بوضوح؛ يوفّر العسكر الحماية (على الأقل غض الطرف والتعاون) والإطار القسري، ويمنح رجل الدين الشرعية الرمزية والقبول الشعبي، فتتشكل دائرة مغلقة تعيد إنتاج السلطة عبر تكامل القوة الصلبة والقوة المعنوية.

يعكس هذا التلاقي إرثًا راسخًا في النظام السوري، حيث اعتمدت السلطة تاريخيًا على احتواء شخصيات دينية ومنحها مساحات تأثير مقابل دعمها للاستقرار السياسي، فتداخل خطاب الطاعة مع خطاب الأمن، وتكرّس نموذج يربط الولاء الديني بالولاء السياسي. يجسّد مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” معالجة مشابهة لهذا التداخل، إذ يقدّم رجال دين يتحركون داخل فضاء تتحكم به أجهزة السلطة، وتتشابك مصالحهم مع مراكز القوة، فيظهر الدين بوصفه عنصرًا فاعلًا في شبكة الحكم وليس هامشًا خارجها. يرسّخ هذا الإرث تصورًا يرى في العلاقة بين العسكر ورجال الدين شراكة ضمنية تُدار عبر توازنات دقيقة، حيث تُمنح المنابر مساحة للتأثير مقابل تعزيز الاستقرار، ويُعاد إنتاج النظام عبر خطاب أخلاقي ينسجم مع منطق السيطرة.

يحوّل “مولانا” هذا الإرث إلى مشهد درامي مكثّف، فيعرض الثكنة بوصفها قاعدة السلطة المادية، ويعرض الرمز الديني بوصفه القناة التي تمر عبرها الطاعة الطوعية، فتتجسد علاقة مركبة تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، ويتحوّل الدين إلى شريك في تثبيت البنية السلطوية، عبر توفير المعنى والقبول داخل مجتمع يبحث عن مركز يضبط حركته ويمنحه شعورًا بالتماسك.

القانون كإمكانية بديلة للهيمنة

يجسّد رئيس المخفر أبو خلدون (أداء علاء الزعبي) في “مولانا” إمكانية قيام سلطة تستند إلى القانون بوصفه مرجعية عليا لتنظيم المجتمع، ويؤسس حضوره لمسار مختلف في إدارة النزاعات يقوم على الإجراءات، والتحقيق المنهجي، وربط الأدلة ببعضها وفق منطق الشك المنضبط. يقدّم شخصية الضابط في الشرطة الذي يرى في الضبط القضائي إطارًا جامعًا يعلو على العلاقات الشخصية والمشاعر والانتماءات، فيحوّل القانون إلى أداة تنظيم عقلاني للحياة العامة، ويمنح الدولة شرعية تستمد قوتها من القواعد المكتوبة ومن المساواة أمامها.

يفتح هذا المسار بابًا لقراءة بديلة للسلطة داخل القرية، حيث يمكن أن تتأسس الشرعية على المؤسسية والعدالة الإجرائية بدل الكاريزما والتأثير الرمزي؛ ويمنح أبو خلدون صورة للدولة بوصفها جهازًا يعمل وفق منطق ثابت ويُخضع القريب والبعيد لمعيار واحد (لا سيما حين اعتقل ابنه الذي شارك في تظاهرة الساحة رغم حظر التجول، ويخبئه في النظارة ليحوله إلى التحقيق وفق محضر شرطي رسمي)، ويضع التحقيق فوق الاعتقاد، والوثيقة فوق الرواية. يعكس هذا الحضور إمكانية بناء هيمنة قانونية تقوم على الثقة بالإجراءات وعلى احترام المسار القضائي.

يجذب صعود “مولانا” في المقابل الجماهير نحو شرعية أكثر حرارة من الناحية العاطفية، ويمنحهم تجربة مباشرة للإنقاذ والوساطة، فيتحول الرمز إلى مرجعية أسرع تأثيرًا في الوعي الجمعي، وتنتقل مراكز الثقة من المكتب الرسمي إلى المجلس الشعبي. يخلق هذا التوازي توترًا عميقًا بين نموذجين للسلطة يتنافسان داخل الحيّز ذاته، ويتواجهان في إدارة القضايا اليومية وفي تحديد مصدر القرار النهائي.

يكشف هذا التقابل عمق السؤال الذي يطرحه المسلسل حول طبيعة الشرعية داخل مجتمع مضغوط، ويعرض بناء النظام من خلال مسار يرسّخ الثقة بالقانون، ومسار يعزز الثقة بالشخصية، فتتحوّل “العادلية” إلى مساحة اختبار حيّة لمدى قدرة كل نمط على إنتاج قبول مستقر وإدارة علاقات القوة ضمن بنية اجتماعية متشابكة.

صوت العقل المغيّب

يكشف تغييب صوت العقل عن طبيعة البيئة التي تنمو فيها السلطة الكاريزمية، حيث تهيئ الظروف الاقتصادية الصعبة والتهميش الطويل أرضية خصبة للاستقطاب، وتدفع الحاجة إلى الخلاص الجماعي نحو البحث عن حلول سريعة ومباشرة. يعمل الرمز الديني على تعبئة هذه الحاجة، ويقدّم نفسه وسيطًا بين السماء والأرض، ويحوّل الأمل إلى أداة تعبئة، بينما تثبّت السلطة الأمنية الإطار الذي يسمح باستمرار هذه الديناميكية. يتغذى البناء الهرمي على هذا التلاقي، فيتكوّن مجتمع تحكمه أوامر مركزية تصدر من القائد، وتُعاد صياغة المعايير الاجتماعية بما يخدم شبكة المصالح الناشئة حوله.

يكشف المسلسل آلية إعادة إنتاج الأزمات داخل هذه البنية ثم إعادة حلّها عبر الوسيط ذاته، فتترسخ صورة القائد القادر على التدخل والإنقاذ، ويتعمق اعتماده الاجتماعي بوصفه مرجعًا نهائيًا. يعزز هذا المسار منطق التفويض الشامل، ويقلّص مساحة المسار العلمي الذي تمثله الدكتورة جمانة (آليانا سعد)، فتتحرك داخل فضاء تميل فيه الجماعة إلى الحلول الرمزية السريعة، وتمنح فيه البنية الأمنية الأفضلية لمن يضبط الحشود ويوجهها. يدفع هذا المناخ المعرفة النقدية إلى الأطراف، ويجعل صوت العقل منخفض الحضور داخل مجال يزدحم بالهتاف والبركة والتعليمات العسكرية، فينعكس ذلك على شكل المجتمع الذي يتغذى على الطاعة ويمنح القيادة المركزية قدرة أكبر على تثبيت نفوذها ضمن هرم سياسي وأمني متكامل.

يجسّد مثال جمانة هذا الاختلال بوضوح حين تنتقد أخاها الذي يذهب لإحضار “حنجور زيت بلدي” من عند “مولانا” ليدهن به والدهما المصاب بمرض عضال، فيتموضع العلم في مواجهة الطقس، وتدافع عن التشخيص والعلاج بوصفهما مسارًا عقلانيًا لإدارة الألم. تعبّر في حديثها إلى حبيبها العسكري عن جوهر المعادلة حين تصف “العادلية” بأنها “محكومة بالدجل والعسكر”، فتربط بين هيمنة الخطاب غير النقدي وهيمنة القوة المسلحة داخل فضاء واحد. تكشف عبارتها عن انسحاب التفكير التحليلي من مركز القرار، وعن صعود سرديات تمنح الطمأنينة السريعة وتعيد ترتيب الواقع وفق منطق البركة والولاء. يوضح حضورها أن الصراع يدور بين نمط معرفة يستند إلى البرهان، ونمط سلطة يستند إلى التعبئة الرمزية، فتتحدد ملامح المجتمع وفق الكفة الأرجح بينهما، ويتعزز البناء الهرمي كلما اتسعت المسافة بين السؤال والإجابة الجاهزة.

ليس مسلسل “مولانا” إلا عمل يشتغل على تفكيك مفهوم السلطة من جذوره، ويكشف أن الهيمنة لا تقوم على القسر وحده، بل على قدرة النظام على إنتاج معنى مقنع للجماهير؛ حيث إن العسكر يوفرون السيطرة المادية، والرمز الديني يوفر السيطرة المعنوية، والاقتصاد يعيد توزيع المنافع بما يضمن استمرار المنظومة.

تتحول “العادلية” إلى نموذج مصغّر لدولة تُدار عبر توازن دقيق بين القوة الصلبة والشرعية الرمزية، ويغدو الدين أداة مركزية في تثبيت النظام، حيث يمنح الناس إحساسًا بالخلاص، ويمنح السلطة استقرارًا طويل الأمد؛ ليتحول المسلسل من دراما اجتماعية إلى دراسة سياسية عميقة في صناعة الهيمنة، وبناء القبول، وإعادة إنتاج السلطة عبر الدين والعسكر والاقتصاد داخل مجتمع يبحث عن معنى يحميه من الفوضى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا