الأحد, مايو 31, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الثقافيةبين فطرة السلام وصناعة الحروب.. لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟

بين فطرة السلام وصناعة الحروب.. لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟

السكة – المحطة الثقافية – ثامر سباعنة

منذ أن عرف الإنسان نفسه، وهو يعيش تناقضًا عجيبًا؛ يبني المدن ثم يهدمها .. يكتب الشعر عن الحب ثم يشعل الحروب .. يبكي على طفل قُتل ثم يبرر قتل أطفال آخرين باسم الوطن أو الدين أو المصلحة.

ورغم كل ما وصلت إليه البشرية من تطور علمي وحضاري ما تزال الحروب تتكرر في كل عصر، وكأن الإنسان لم يتعلم شيئًا من الدماء التي سالت عبر التاريخ.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا:

إذا كانت الأديان تدعو إلى الرحمة، والإنسانية أصلها واحد، وكل البشر يتألمون بالطريقة نفسها، فلماذا تستمر الحروب والصراعات؟

إن المتأمل في طبيعة الإنسان يدرك أن القضية ليست بسيطة كما تبدو ، فالبشر جميعًا يولدون وهم يحملون حاجة فطرية إلى الأمان والحب والاستقرار. الطفل لا يولد قاتلًا، ولا يعرف معنى الكراهية أو الحدود أو الصراعات السياسية. بل يولد بقلب نقي يبحث عن الحنان لا عن الدماء.

وفي الإسلام تظهر هذه الحقيقة بوضوح حين يشير إلى أن الإنسان يولد على الفطرة، أي على الصفاء الإنساني الأول قبل أن تؤثر فيه البيئة والتربية والخوف والمصالح.

لكن هذه الفطرة لا تعني أن الإنسان ملاك منزّه عن الخطأ، فالإنسان يحمل أيضًا مشاعر الغضب والخوف وحب التملك والرغبة في التفوق. وهنا تبدأ المعضلة؛ إذ يتحول الإنسان مع الزمن من كائن فطري بسيط إلى كائن تصنعه الأفكار والأنظمة والتجارب والصدمات.

فالحروب في كثير من الأحيان لا تبدأ لأن الناس يحبون القتل، بل لأنهم يُدفعون تدريجيًا نحو الخوف والكراهية.
يُقنع الإنسان أن الآخر يهدده، أو يسلبه حقه، أو يختلف عنه في الدين أو العرق أو الهوية، فتبدأ المسافات الإنسانية بالتلاشي.

وهنا تصبح الحرب أكثر من مجرد معركة عسكرية؛ إنها عملية طويلة تُنتزع فيها إنسانية الإنسان قبل أن تُنتزع حياته.

كما أن جزءًا كبيرًا من الصراعات لا تحركه العقائد بقدر ما تحركه المصالح؛ فالتاريخ مليء بحروب قامت لأجل النفوذ والثروات والسيطرة والسلطة، ثم ارتدت شعارات دينية أو أخلاقية لتبرير نفسها أمام الشعوب ، ولهذا فإن كثيرًا من الناس العاديين لا يريدون الحرب أصلًا.

الأم التي تنتظر ابنها، والطفل الذي يخاف القصف، والفقير الذي يبحث عن لقمة العيش، جميعهم يريدون حياة طبيعية وآمنة. لكن القرارات الكبرى كثيرًا ما تُصنع في دوائر السياسة والقوة والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل الأنظمة وحدها مسؤولية كل شيء، لأن الأنظمة نفسها يصنعها بشر. فالإنسان حين يضع مصالحه فوق إنسانية الآخرين، وحين يسمح للخوف والتعصب بأن يعميا بصيرته، يصبح قادرًا على تبرير ما كان يرفضه يومًا.

وربما لهذا السبب تحديدًا جاءت الأديان والقيم الأخلاقية؛ ليس لتخلق الإنسان من جديد، بل لتحافظ على إنسانيته من الضياع.

إن أعظم مأساة في الحروب ليست فقط عدد القتلى أو حجم الدمار، بل قدرة الإنسان على نسيان أن الطرف الآخر يشبهه تمامًا؛ له أمّ تبكي عليه وأطفال ينتظرونه وأحلام بسيطة كان يريد أن يعيشها بسلام.

ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل قائمًا ، فكل موقف رحمة، وكل كلمة عدل، وكل تربية قائمة على احترام الإنسان، هي مقاومة حقيقية لفكرة الحرب.

ربما لن تختفي الصراعات تمامًا من العالم، لأن الإنسان سيبقى يحمل داخله صراعًا بين الخير والشر، بين الرحمة والقوة، بين الضمير والمصلحة. لكن بقاء هذا الصراع لا يعني الاستسلام له، بل يعني أن معركة الإنسانية الحقيقية ليست فقط ضد الحروب، بل ضد كل ما يجعل الإنسان يفقد فطرته الأولى.

فالإنسان لم يُخلق ليهدم الحياة بل ليبحث عنها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا