السبت, يونيو 6, 2026

الأكثر

زنبقتي

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

وحيدٌ في زنزانته المظلمة التي لا تربطه بالعالم الخارجي إلا فتحة صغيرة في أعلى الجدار، يتسلل منها خيط ضوءٍ وشيءٌ من الهواء يومياً، تملؤه الأحزان والذكريات والأحلام. لم يكن يغادر عزلته إلا نادراً، فقد كُتب عليه أن يقضي مدة حكمه الطويلة في هذا المكان.

كم كان يحمل في قلبه الشوق للحديث مع الأهل والأصدقاء والأحبة؛ فهو محرومٌ منهم، بل محرومٌ من الحديث مع أي إنسانٍ غير سجّانه.

وفي يومٍ ما، تغيرت حياته وأصبح لها معنىً جميل؛ فقد استيقظ صباحاً ليجد زنبقةً صغيرة قد بدأت تنمو في أرضية الزنزانة، تحدت الصخور والظلام واليأس، وخرجت تنثر معنىً آخر للحياة في ظل رائحة الموت المنتشرة.

فرح بها كثيراً، بل عشقها لأنها تملكت حياته وروحه، وأنارت له ظلمة زنزانته، وغيرت نمط حياته وأعادت لنفسه تألقها وسموها. اعتنى بها كطفلٍ حديث الولادة؛ يسقيها يومياً، وجمع كل ما أمكنه من ترابٍ وغبارٍ من أرض الزنزانة وضعه قرب جذورها علّها تقوى وتكبر. وفي كل يوم، كان يضعها بلطفٍ بين راحتيه، ويرفعها بحنان ليقربها من الفتحة الصغيرة “الشباك”؛ كي تستنشق هواء الحرية وتستمتع بضوء الشمس.

أصبح يراقبها ساعةً بعد ساعة، بل ثانيةً بعد ثانية، يكلمها ويهمس لها بآلامه، ويشاركها أحلامه. لقد عشقها، وكانت له معيناً في قيده، ومخففةً عنه الكثير من همومه.

بعد أيامٍ كانت هي أجمل الأيام التي مرت عليه، دخل الجنود لتفتيش زنزانته، فشاهدوه يرعى زنبقته، وحاولوا مصادرتها؛ فممنوعٌ أن يؤنس وحدته أحد، حتى وإن كانت زنبقة! رفض ذلك ومنعهم من الاقتراب منها، وهددوه فلم يستجب، بل زاد تعلقه بها وتمسك بها بقوةٍ أكبر.

تركوه وقالوا إنهم سيقطعون عنه الماء لتموت زنبقته عطشاً، وفعلاً نفذوا تهديدهم. وبعد أيام، عادوا إلى الزنزانة وعيونهم تملؤها ضحكة خبيثة؛ ظناً منهم أنهم سيجدونه يتحسر على زهرته التي ماتت عطشاً. لكن المفاجأة كانت.. أنهم وجدوه قد فارق الحياة وهو يحتضن زنبقته، وقد أينعت وازدادت حمرتها بعد أن رُويت من دم وريده.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا