السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
لم يكن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحويل الصحفية الفلسطينية بشرى جمال الطويل إلى الاعتقال الإداري حدثًا معزولًا عن السياق العام الذي يستهدف الصحفيين والنشطاء والمؤثرين الفلسطينيين، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تقييد الرواية الفلسطينية وإضعاف الأصوات القادرة على نقل الحقيقة إلى العالم.
تنحدر بشرى الطويل من عائلة فلسطينية عُرفت بنشاطها الوطني والاجتماعي. ولدت في مدينة البيرة، ودرست الصحافة والإعلام، لتختار مبكرًا طريق العمل الإعلامي والحقوقي المرتبط بقضايا الأسرى الفلسطينيين. وقد برز اسمها كصحفية وناشطة شبابية كرّست جزءًا كبيرًا من جهدها لتوثيق معاناة الأسرى وعائلاتهم، ونقل قصصهم الإنسانية إلى الرأي العام المحلي والدولي.
لم يكن نشاط بشرى مقتصرًا على العمل الصحفي التقليدي، بل امتد إلى الفضاء المجتمعي والشبابي، حيث ساهمت في العديد من المبادرات والفعاليات الهادفة إلى تعزيز الوعي بقضايا الأسرى وحقوق الإنسان. وقد جعلها هذا الحضور الإعلامي والمجتمعي واحدة من الشخصيات المؤثرة التي تحظى بمتابعة واسعة داخل المجتمع الفلسطيني.
وتحمل قصة بشرى بعدًا آخر من المعاناة الفلسطينية المتوارثة؛ فهي ابنة الشيخ جمال الطويل، أحد أبرز الشخصيات الوطنية والإصلاحية في فلسطين، والذي شغل سابقًا منصب رئيس بلدية البيرة، وتعرض بدوره للاعتقال مرات عديدة لدى الاحتلال، ولا يزال معتقلًا في سجون الاحتلال. وقد شكلت تجربة الأب والابنة صورة مكثفة لمعاناة العائلات الفلسطينية التي تجد نفسها مستهدفة جيلاً بعد جيل بسبب مواقفها الوطنية ودورها المجتمعي.
ويكتسب اعتقال بشرى الطويل أهمية خاصة بسبب استخدام الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري، وهي سياسة تسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه تهمة واضحة أو تقديمهم لمحاكمة عادلة، استنادًا إلى ما يسمى “الملف السري” الذي لا يُتاح للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليه. وقد تعرضت بشرى لهذه السياسة أكثر من مرة، في مشهد يعكس طبيعة الإجراءات الاستثنائية التي تُستخدم ضد الفلسطينيين، وخاصة الشخصيات المؤثرة في المجالين الإعلامي والمجتمعي.
إن استهداف الصحفيين الفلسطينيين لا يمكن فصله عن الصراع على الرواية والسردية. فالاحتلال يدرك أن المعركة لم تعد عسكرية أو أمنية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة وعي وصورة ورواية. ومن هنا تبرز أهمية الصحفيين والإعلاميين الذين يوثقون الانتهاكات وينقلون معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم.
وفي السنوات الأخيرة تصاعدت الاعتداءات على الصحفيين الفلسطينيين بشكل ملحوظ، سواء من خلال الاعتقال أو الملاحقة أو إغلاق المؤسسات الإعلامية أو تقييد الحركة أو حتى الاستهداف المباشر. ويهدف ذلك إلى خلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية، وإضعاف قدرة الإعلام الفلسطيني على أداء رسالته المهنية والوطنية.
وتندرج قضية بشرى الطويل ضمن هذا الإطار الأوسع؛ فهي ليست مجرد حالة اعتقال فردية، بل تمثل نموذجًا لاستهداف الكلمة والصورة والرواية الفلسطينية. فحين تُعتقل صحفية كرست جهودها للدفاع عن الأسرى ونقل قصصهم، فإن الرسالة تتجاوز شخصها إلى محاولة ردع كل من يسعى إلى كشف حقيقة ما يجري على الأرض الفلسطينية.
ورغم الاعتقال والملاحقة، تظل تجربة بشرى الطويل شاهدًا على إصرار الصحفي الفلسطيني على مواصلة أداء رسالته. كما تبرز قصتها وقصة والدها الشيخ جمال الطويل حجم التضحيات التي تقدمها العائلات الفلسطينية في سبيل الدفاع عن حقوق شعبها والحفاظ على روايتها الوطنية في مواجهة محاولات التغييب والتشويه.
إن الدفاع عن حرية الصحافة في فلسطين لا يقتصر على حماية الأفراد، بل يمتد إلى حماية حق شعب بأكمله في أن يروي قصته بنفسه، وأن ينقل معاناته وآماله إلى العالم .

