السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في الوقت الذي تتصاعد فيه محاولات الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على الرواية وتوجيه السردية المتعلقة بالصراع، يبرز اعتقال الصحفي والمحلل السياسي الفلسطيني عماد أبو عواد باعتباره نموذجاً واضحاً لاستهداف الأصوات الفلسطينية القادرة على مخاطبة الرأي العام وكشف حقيقة السياسات الإسرائيلية.
وُلد عماد أبو عواد في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 1982، وينحدر من محافظة رام الله. عُرف خلال سنوات عمله كصحفي وباحث ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الإسرائيلية، حيث قدّم عشرات التحليلات والدراسات والمقابلات الإعلامية التي تناولت المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته السياسية والأمنية، وأسهم في تبسيط المشهد الإسرائيلي للقارئ والمشاهد الفلسطيني والعربي.
لم يكن أبو عواد مجرد محلل سياسي يتابع الأحداث من بعيد، بل كان صاحب حضور إعلامي مستمر في القنوات الفضائية والإذاعات ووسائل الإعلام المختلفة، مستنداً إلى معرفة عميقة بالشأن الإسرائيلي وخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من البحث والمتابعة. وقد جعلته هذه الخبرة مرجعاً إعلامياً مهماً في تفسير التحولات السياسية والأمنية داخل إسرائيل وقراءة انعكاساتها على القضية الفلسطينية.
لكن هذه المسيرة لم تكن بعيدة عن الاستهداف. فقد تعرض أبو عواد للاعتقال عدة مرات من قبل سلطات الاحتلال، وأمضى سنوات طويلة داخل السجون الإسرائيلية. وفي نيسان/أبريل 2026 أعادت قوات الاحتلال اعتقاله بعد اقتحام منزله في مدينة البيرة ومصادرة هاتفه الشخصي، في مشهد بات يتكرر مع العديد من الصحفيين والكتاب الفلسطينيين.
إن اعتقال عماد أبو عواد لا يمكن فصله عن السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تقييد العمل الإعلامي الفلسطيني ومحاصرة الأصوات القادرة على إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي. فالاحتلال يدرك أن معركته مع الفلسطينيين ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة على الرواية والذاكرة والوعي الجمعي. ولذلك غالباً ما يكون الصحفيون والكتاب والباحثون في مقدمة المستهدفين.
ومن هنا فإن استهداف أبو عواد يتجاوز شخصه ليطال حق الفلسطينيين في إيصال صوتهم إلى العالم. فالمحللون والصحفيون الذين يمتلكون القدرة على تفكيك الخطاب الإسرائيلي وفضح سياسات الاحتلال يمثلون خطراً على الرواية الرسمية التي تحاول إسرائيل تسويقها دولياً. ولهذا يصبح الاعتقال وسيلة لإسكات الأصوات المؤثرة وإضعاف المحتوى الفلسطيني وتقليص حضوره في الفضاء الإعلامي.
ورغم الاعتقالات المتكررة، أثبتت التجربة الفلسطينية أن القلم لا يمكن أن يُعتقل، وأن الرواية الفلسطينية قادرة على الاستمرار مهما تعرضت لمحاولات التغييب. فكل صحفي يُستهدف بسبب عمله المهني يتحول إلى شاهد إضافي على حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الإعلام الفلسطيني.
ويبقى عماد أبو عواد مثالاً للصحفي الفلسطيني الذي دفع ثمناً باهظاً مقابل تمسكه برسالته المهنية، وإصراره على مواصلة دوره في نقل الحقيقة وتحليل الأحداث والدفاع عن حق شعبه في أن يروي قصته بنفسه. وفي ظل استمرار استهداف الصحفيين الفلسطينيين، تتجدد الحاجة إلى حماية حرية العمل الإعلامي ورفض كل أشكال القمع التي تستهدف الحقيقة وأصحابها.

