الجمعة, يوليو 3, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتحين غاب الأب… حضرت وصيته

حين غاب الأب… حضرت وصيته

السكة – المقالات – ثامر سباعنة

(صفاء ابنة الأسير عبد الله البرغوثي تهدي تخرجها لوالدها صاحب أطول حكم في تاريخ البشرية)

في كل بيت فلسطيني قصة تنتظر أن تُروى، لكن بعض القصص لا تكتبها الكلمات، بل تكتبها سنوات الغياب الطويلة، ورسائل السجون، وصور الآباء المعلقة على الجدران، وأحلام الأبناء التي تكبر وهم ينتظرون لقاءً طال أمده.

في أحد أكثر المشاهد الإنسانية تأثيرًا، أعلنت صفاء، ابنة الأسير الفلسطيني عبد الله البرغوثي، تخرجها من كلية طب الأسنان، لكنها لم تعتبر أن هذا النجاح يكتمل دون أن يكون والدها حاضرًا، ولو بالكلمات والدعاء. فكتبت عبر صفحتها على “فيسبوك”:

“إلى والدي… وإن غيّبتك القيود عن هذه اللحظة، فما غاب دعاؤك ولا أثرك عن كل خطوةٍ وصلتُ إليها.”

جملة قصيرة، لكنها تختصر رحلة عمر كاملة عاشتها ابنة كبرت بعيدًا عن والدها، وحملت معه عقوبة لم يصدرها أي قاضٍ، لكنها فرضتها سنوات الأسر الطويلة على كل أفراد العائلة.

يُعد الأسير عبد الله البرغوثي واحدًا من أبرز الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهو صاحب أطول حكم بالسجن في تاريخ البشرية، إذ حكمت عليه محاكم الاحتلال بالسجن المؤبد (67) مرة، إضافة إلى آلاف السنين، في محاولة لإغلاق باب الحرية أمامه إلى الأبد، وتحويل حياته إلى عنوان للعقاب الدائم.

لكن الاحتلال، وهو يصدر أحكامه الثقيلة، لم يكن يعاقب عبد الله وحده، بل حكم على زوجته بالانتظار، وعلى أطفاله باليتم المعنوي، وعلى عائلته بحرمان مستمر من أبسط حقوق الحياة الطبيعية.

مرت السنوات، وتعاقبت المناسبات، والأعياد، وحفلات التخرج، والأفراح والأحزان، بينما بقي المقعد الذي يحمل اسم الأب فارغًا. لم يجلس عبد الله إلى مائدة عائلته، ولم يلتقط صورة تخرج مع أبنائه، ولم يحتضنهم في محطاتهم المفصلية، لأن الجدران والأسلاك الشائكة كانت دائمًا تسبق اللقاء.

ومع ذلك، لم تنجح السجون في انتزاع حضوره الحقيقي من حياة أسرته.

كبرت صفاء وهي تحمل اسم والدها وقضيته، وأدركت أن النجاح ليس مجرد شهادة جامعية، بل رسالة وفاء لمن ضحى بعمره خلف القضبان. لذلك جاء إهداؤها لتخرجها إلى والدها أكثر من مجرد كلمات؛ كان إعلانًا بأن الأسر لم يكسر العائلة، ولم يسرق منها الأمل، وأن الأب، رغم الغياب القسري، ظل حاضرًا في التربية، وفي القيم، وفي الإصرار على العلم والتفوق.

لقد اختارت صفاء دراسة طب الأسنان، وسارت بثبات حتى نالت شهادتها، لتؤكد أن أبناء الأسرى لا يرثون الألم فقط، بل يرثون الإرادة أيضًا. فبينما حاول الاحتلال أن يحرمها من دفء الأب، صنعت من ذلك الحرمان دافعًا للتميز، وجعلت من نجاحها هدية لوالدها، ورسالة تقول إن السجن لا يستطيع أن يمنع الحياة من أن تزهر.

إن معاناة عائلات الأسرى لا تقل قسوة عن معاناة الأسرى أنفسهم. فالزوجة تتحمل مسؤوليات الحياة منفردة، والأبناء يكبرون على صور الآباء ورسائلهم، وتتحول المناسبات العائلية إلى لحظات يختلط فيها الفرح بالحزن، لأن الغائب الأكبر يبقى حاضرًا في الذاكرة وغائبًا عن المكان.

وفي كل مناسبة نجاح أو تخرج أو زواج، يتجدد وجع الأسر الفلسطينية التي تتمنى صورة عائلية مكتملة، لكنها تصطدم بواقع الاحتلال الذي يواصل حرمان آلاف الأسرى من حقهم في رؤية أبنائهم، أو مشاركة أحبائهم أبسط تفاصيل الحياة.

ومع ذلك، تثبت عائلات الأسرى عامًا بعد عام أن الاحتلال قد ينجح في تقييد الجسد، لكنه يفشل في أسر الإرادة. وها هي صفاء، بعبارتها الصادقة، تقدم درسًا في الوفاء والصبر، وتؤكد أن الأب الحقيقي لا يغيب مهما طال الأسر، وأن الدعاء والتربية والقيم تبقى حاضرة، حتى وإن حالت القضبان بين الآباء وأبنائهم.

إن تخرج صفاء ليس نجاحًا فرديًا فحسب، بل هو انتصار جديد لعائلة قاومت الغياب بالعلم، واليأس بالأمل، والسجن بالإنجاز. وهو رسالة إلى العالم بأن أبناء الأسرى الفلسطينيين لا يسمحون للظلم أن يسرق مستقبلهم، بل يحولون معاناتهم إلى قوة تدفعهم نحو التفوق، ويهدون كل إنجاز إلى آبائهم الذين ما زالوا ينتظرون فجر الحرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا