السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في عالم السياسة، كثيراً ما يبحث القادة الذين يواجهون الإخفاقات عن ساحات بديلة لتعويض خسائرهم وصناعة صورة انتصار جديدة. ويبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه تحديات داخلية وخارجية متزايدة، تنظر إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية باعتبارهم الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها ثمن الإخفاقات السياسية والاستراتيجية التي مُنيت بها الحكومة الإسرائيلية خلال المرحلة الأخيرة.
لقد راهن نتنياهو وحلفاؤه من أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرف على إعادة رسم خريطة المنطقة عبر القوة العسكرية والضغوط السياسية. إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها التفاهمات الأمريكية مع إيران، تركت شعوراً واضحاً لدى أوساط اليمين الإسرائيلي بأن واشنطن لم تستجب بالكامل للرؤية الإسرائيلية القائمة على التصعيد والمواجهة المفتوحة.
هذا الواقع خلق حالة من الإحباط السياسي داخل حكومة الاحتلال، التي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على فكرة الحسم العسكري وتغيير موازين القوى في المنطقة. ومع تراجع فرص تحقيق إنجازات استراتيجية في الساحات الإقليمية، عاد اليمين الإسرائيلي إلى الساحة التي يملك فيها أكبر هامش من السيطرة والاستفراد: الضفة الغربية الفلسطينية.
البحث عن انتصار بديل
حين تفشل الحكومات في تحقيق أهدافها الكبرى، تلجأ غالباً إلى تحقيق إنجازات في الساحات الأقل تكلفة سياسياً. وهنا تبدو الضفة الغربية المكان الأنسب لنتنياهو وحلفائه لصناعة “انتصار” يمكن تسويقه داخلياً أمام الجمهور الإسرائيلي.
فالفلسطينيون في الضفة يواجهون منذ سنوات سياسة ممنهجة تقوم على التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة وتكثيف الاقتحامات والاعتقالات، لكن السنوات الأخيرة شهدت تسارعاً غير مسبوق لهذه السياسات.
فبحسب تقارير متخصصة، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من نحو 111 ألف مستوطن عند توقيع اتفاق أوسلو إلى ما بين 750 و770 ألف مستوطن حالياً، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة ومئات البؤر الاستيطانية. كما تمت المصادقة خلال عام واحد على أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة، في واحدة من أكبر موجات التوسع الاستيطاني منذ عقود.
دولة المستوطنين تتمدد
لم يعد الاستيطان مجرد مشروع عقاري أو أمني، بل أصبح مشروعاً سياسياً متكاملاً تقوده شخصيات متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها وزراء يدعون علناً إلى ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية ارتفع خلال ولاية حكومة نتنياهو الحالية بنسبة تقارب 40%، في مؤشر واضح على أن المشروع الاستيطاني أصبح أولوية حكومية وليست مجرد مبادرات فردية.
كما كشفت تقارير حديثة عن خطط حكومية لتخصيص ما يقارب مليار شيكل إضافية لتوسيع البنية التحتية للمستوطنات وتعزيز وجودها في الضفة الغربية، في خطوة تعكس الإصرار على فرض وقائع جديدة على الأرض.
الأرض الفلسطينية تحت الاستهداف
خلال عام 2025 وحده، استولى الاحتلال على آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية عبر أوامر المصادرة وإعلانات “أراضي الدولة” وأوامر وضع اليد والاستملاك.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت الأراضي التي استولى عليها الاحتلال خلال عام 2025 أكثر من 5500 دونم، فيما تحدثت تقارير أخرى عن مصادرة ما يزيد على 24 ألف دونم خلال الأشهر الأخيرة تحت ذرائع مختلفة، في أكبر موجة مصادرات تشهدها الضفة منذ عقود. (شبكة راية الإعلامية)
والأخطر أن النقاشات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على المناطق المصنفة (ج)، بل امتدت إلى إجراءات تمس مناطق تقع ضمن التصنيف (أ)، ما يعكس تآكلاً متسارعاً في الأسس التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو وتحولاً نحو فرض السيادة الإسرائيلية المباشرة على كامل الضفة الغربية.
عنف المستوطنين… سياسة لا حوادث فردية
بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، تصاعدت اعتداءات المستوطنين بشكل غير مسبوق. وتشير تقارير فلسطينية إلى تسجيل أكثر من 4700 اعتداء نفذه مستوطنون خلال عام 2025 فقط، بينما وثقت جهات دولية ارتفاعاً كبيراً في أعمال العنف المنظمة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وقد خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أن سلطات الاحتلال توفر غطاءً سياسياً وأمنياً لهذه الاعتداءات، وأن العنف الاستيطاني بات جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة على الأرض الفلسطينية.
غزة أيضاً في دائرة الاستهداف
وفي الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد أن تسعى حكومة نتنياهو إلى إعادة تصعيد العمليات العسكرية في قطاع غزة كلما شعرت بالحاجة إلى ترميم صورتها السياسية أو الهروب من أزماتها الداخلية.
فالحرب بالنسبة لليمين الإسرائيلي ليست مجرد خيار أمني، بل أصبحت أداة سياسية لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية وصرف الأنظار عن الإخفاقات والتصدعات التي تعيشها الحكومة.
الفلسطينيون يدفعون ثمن الإخفاق الإسرائيلي
التاريخ السياسي الإسرائيلي يكشف أن الفلسطينيين غالباً ما كانوا الضحية الأولى للأزمات الداخلية الإسرائيلية. وعندما تتعثر الحكومات أو تتراجع شعبيتها، يصبح التصعيد ضد الفلسطينيين خياراً جاهزاً لاستعادة التأييد الشعبي.
واليوم، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة شديدة الخطورة؛ فهناك حكومة يمينية متطرفة تشعر بأن رهاناتها الإقليمية لم تحقق النتائج المرجوة، وهناك مشروع استيطاني يتسارع بصورة غير مسبوقة، وهناك شعور متزايد لدى قادة اليمين بأن الوقت مناسب لفرض الوقائع النهائية على الأرض الفلسطينية.
إن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية متفرقة، بل هو جزء من مشروع سياسي متكامل يستهدف الأرض والإنسان والرواية الفلسطينية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الضفة الغربية الساحة التي يحاول نتنياهو من خلالها تعويض إخفاقاته الإقليمية وصناعة صورة انتصار جديدة، حتى لو كان ثمنها المزيد من الأرض الفلسطينية والمزيد من معاناة شعبها.

