الجمعة, يونيو 26, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالأسرى المرضى في سجون الاحتلال… حين يتحول الجسد إلى ساحة تعذيب.. مجاهد...

الأسرى المرضى في سجون الاحتلال… حين يتحول الجسد إلى ساحة تعذيب.. مجاهد بني مفلح مثالا

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

لا تنتهي معاناة الأسير الفلسطيني عند إغلاق باب الزنزانة خلفه، بل تبدأ رحلة طويلة من الألم، يصبح فيها الجسد نفسه ميدانًا للعقاب، والمرض وسيلةً إضافية للضغط والتنكيل. فداخل سجون الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر الانتهاك على الحرمان من الحرية، وإنما يمتد ليشمل سياسة ممنهجة تقوم على التعذيب والإهمال الطبي والتجويع والحرمان من العلاج، بما يخالف بصورة صارخة أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب.

ويأتي اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب ليعيد التذكير بأن آلاف الأسرى الفلسطينيين يعيشون يوميًا أشكالًا متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، في وقت تؤكد فيه مؤسسات الأسرى الفلسطينية أن منظومة السجون الإسرائيلية تحولت، منذ اندلاع الحرب، إلى شبكة متكاملة لإنتاج التعذيب، حيث تصاعدت عمليات الضرب المبرح، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل، والإذلال، والحرمان من أبسط مقومات الحياة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد عدد من الأسرى وتدهور الحالة الصحية لآلاف آخرين.

ولعل قصة الصحفي والأسير المحرر مجاهد بني مفلح تختصر هذه المأساة الإنسانية بكل تفاصيلها.

قبل اعتقاله كان يحمل الكاميرا ليروي قصص الآخرين، ويوثق معاناة أبناء شعبه، لكن الاحتلال قرر أن يحوله هو نفسه إلى واحدة من أكثر القصص إيلامًا. وبعد أربعة عشر شهرًا من الاعتقال، خرج مجاهد بجسد منهك، وملامح تغيّرت بصورة صادمة، ووزن فقده نتيجة الجوع وسوء التغذية، ورأس يحمل آثار إصابات خطيرة استدعت رحلة علاج طويلة ومعقدة، حتى إن التقارير الطبية تحدثت عن مضاعفات بالغة الخطورة، من بينها نزيف دماغي وآثار جسدية ما زال يعاني منها حتى بعد نيله الحرية. 

إن الصورة التي ظهر بها مجاهد ليست مجرد صورة شخصية، بل وثيقة دامغة على ما يمكن أن تفعله شهور الاعتقال بجسد الإنسان. لقد خرج من السجن وهو يحمل آثار الجوع والقهر والإهمال الطبي، لكن الاحتلال، رغم كل ذلك، لم ينجح في كسر روحه أو إسكات الحقيقة التي نذر حياته لنقلها.

وقصة مجاهد ليست حالة استثنائية، بل هي نموذج يتكرر مع مئات الأسرى المرضى داخل السجون، حيث يتحول المرض إلى وسيلة إضافية للعقاب. فكثير من الأسرى يعانون أمراضًا مزمنة كأمراض القلب والسكري والسرطان وأمراض الكلى والجهاز التنفسي، فيما يصاب آخرون بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب أو الضرب أو التأخر المتعمد في تقديم العلاج، بينما يواجه الجرحى أوضاعًا صحية قاسية بسبب غياب الرعاية الطبية المناسبة.

وتؤكد شهادات الأسرى المحررين أن إدارة السجون تعتمد سياسة “الإهمال الطبي المتعمد”، من خلال تأخير إجراء الفحوصات والعمليات الجراحية، أو الاكتفاء بإعطاء المسكنات، ورفض تحويل المرضى إلى مستشفيات مدنية إلا بعد تدهور حالتهم بصورة خطيرة، الأمر الذي يجعل المرض جزءًا من أدوات العقاب داخل المعتقلات. 

ولا تتوقف آثار هذه السياسات عند لحظة الإفراج، فالكثير من الأسرى يخرجون وهم يحملون أمراضًا مزمنة وإعاقات دائمة واضطرابات نفسية تحتاج إلى سنوات من العلاج، وبعضهم لا يتمكن من استعادة صحته أبدًا. وهكذا يتحول الإفراج إلى بداية معركة جديدة مع الألم، لا إلى نهاية لمعاناة السجن.

كما تكشف قضية مجاهد بني مفلح جانبًا آخر من سياسات الاحتلال، وهو استهداف الصحفي الفلسطيني. فالصحفي الذي يحمل الكلمة والكاميرا يصبح هدفًا لأنه يوثق الحقيقة، ويكشف الانتهاكات، وينقل الرواية الفلسطينية إلى العالم. ولذلك فإن استهدافه بالاعتقال والتعذيب والإهمال الطبي لا يستهدف شخصه فقط، بل يستهدف حرية الصحافة، وحق الشعوب في المعرفة، ومحاولة تغييب الشاهد على الجريمة.

إن صور الأسرى المرضى، وفي مقدمتها صورة مجاهد بني مفلح، يجب ألا تتحول إلى مشاهد عابرة على شاشات الهواتف، بل إلى أدلة قانونية وأخلاقية تستوجب المساءلة الدولية. فهذه الأجساد الهزيلة ليست أرقامًا في تقارير حقوق الإنسان، وإنما بشر لهم عائلات وأحلام ومستقبل، دفعتهم سنوات الاعتقال إلى مواجهة معاناة قد تستمر مدى الحياة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه أمام الضمير الإنساني: كم من الأسرى يجب أن يفقدوا صحتهم؟ وكم من الصحفيين والأطباء والطلبة والآباء يجب أن يخرجوا من السجون بأجساد محطمة حتى يتحرك المجتمع الدولي لوضع حد لهذه الانتهاكات؟

إن الدفاع عن الأسرى المرضى ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو واجب إنساني وأخلاقي وقانوني، لأن الحق في العلاج والحياة والكرامة لا يسقط حتى خلف قضبان السجون، ولأن التاريخ لا يذكر فقط من ارتكب الانتهاكات، بل يسجل أيضًا مواقف من صمتوا عنها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا