الثلاثاء, يوليو 7, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالثانوية العامة خلف القضبان… 71 طالبًا فلسطينيًا حرمهم الاعتقال من حقهم في...

الثانوية العامة خلف القضبان… 71 طالبًا فلسطينيًا حرمهم الاعتقال من حقهم في الحلم

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

مع إسدال الستار على امتحانات الثانوية العامة في فلسطين لعام 2026، احتفل آلاف الطلبة بانتهاء واحدة من أهم المحطات الدراسية في حياتهم، فيما بقي عشرات آخرون بعيدين عن قاعات الامتحان، لا بسبب التقصير أو المرض أو ظرفٍ شخصي، وإنما لأن الاحتلال الإسرائيلي قرر أن يجعل من الاعتقال عقوبة تمتد إلى مستقبلهم العلمي وأحلامهم.

وحتى تاريخ اليوم، ووفق أحدث بيانات صادرة عن نادي الأسير الفلسطيني ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بلغ عدد طلبة الثانوية العامة الذين حرموا من التقدم للامتحانات بسبب الاعتقال 71 طالبًا وطالبة. فقد كان 65 طالبًا وطالبة يقبعون في سجون الاحتلال قبل بدء الامتحانات، ثم اعتقلت قوات الاحتلال 6 طلبة آخرين خلال فترة انعقادها، ليرتفع العدد إلى 71 طالبًا وطالبة حرموا من حقهم الأساسي في التعليم.

إن حرمان الطالب من تقديم امتحان الثانوية العامة لا يعني خسارة اختبار فحسب، بل يعني تعطيل عام كامل من الجهد والتعب، وتأجيل مستقبله الأكاديمي، وربما تغيير مسار حياته بالكامل. فهذه المرحلة الدراسية تمثل نقطة تحول أساسية في حياة كل شاب وشابة، إذ تحدد خياراتهم الجامعية والمهنية، وتشكل بداية تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.

ولا يتوقف أثر الاعتقال عند حدود الحرمان من الامتحان، بل يمتد إلى الجانب النفسي بصورة عميقة. فالطالب المعتقل يجد نفسه فجأة داخل زنزانة، بعيدًا عن كتبه وأوراقه الدراسية، وعن زملائه الذين كانوا يشاركونه حلم النجاح. وبين جدران السجن، تتحول مشاعر الحماس والاستعداد للامتحان إلى قلق دائم، وإحساس بالظلم، وخوف من ضياع المستقبل، في وقت يحتاج فيه الطالب إلى الاستقرار النفسي والتركيز والدعم.

كما أن ظروف الاعتقال القاسية، وما يرافقها من تحقيق وضغوط نفسية، والحرمان من التواصل المنتظم مع الأسرة، تجعل التفكير في الدراسة أمرًا بالغ الصعوبة. ويشعر كثير من الطلبة المعتقلين بأن سنوات اجتهادهم يمكن أن تضيع في لحظة بسبب قرار اعتقال، لا علاقة له بتحصيلهم العلمي أو قدراتهم الأكاديمية.

أما الأسرة الفلسطينية، فتعيش هي الأخرى امتحانًا لا يقل قسوة عن امتحان الثانوية العامة نفسه. فبدل أن تتهيأ لاستقبال ابنها أو ابنتها بعد انتهاء الامتحانات، أو تحتفل معه بنتائج سنوات الدراسة، تجد نفسها تتابع أخبار الاعتقال، وتنتظر أي معلومة عن أوضاعه داخل السجن.

وتتحول المنازل التي كانت تستعد لاستقبال الناجحين إلى بيوت يغلب عليها القلق والحزن. فالأم التي كانت تجهز الطعام لابنها أثناء أيام الامتحانات، تصبح منشغلة بالسؤال عن صحته، والأب الذي كان يحلم برؤية ابنه على مقاعد الجامعة، يجد نفسه يبحث عن محامٍ أو ينتظر زيارة قد لا تتم. كما يعيش الإخوة والأخوات حالة من الصدمة والفراغ، بعد أن تحولت مناسبة يفترض أن تكون مليئة بالفرح إلى تجربة مؤلمة.

اجتماعيًا، تترك هذه الاعتقالات آثارًا واسعة على المجتمع الفلسطيني. فكل طالب يُحرم من التعليم يمثل خسارة لطاقات شابة كان يمكن أن تسهم في بناء المجتمع وتقدمه. كما أن استهداف الطلبة يزرع شعورًا بعدم الاستقرار، ويؤثر في البيئة التعليمية بأكملها، حيث يدرك الطلبة أن مقاعد الدراسة لا توفر لهم الحماية من الاعتقال، وأن الطريق إلى الجامعة قد يمر عبر الزنازين.

ورغم كل ذلك، أثبت الطلبة الفلسطينيون، على مدار سنوات طويلة، أن الاعتقال لم ينجح في قتل إرادتهم. فكثير من الأسرى عادوا بعد تحررهم إلى مقاعد الدراسة، وأكملوا تعليمهم، بل وحقق بعضهم إنجازات أكاديمية مميزة، مؤكدين أن الحرية قد تؤجل الحلم، لكنها لا تستطيع إلغاءه.

إن حرمان 71 طالبًا وطالبة من امتحانات الثانوية العامة هذا العام ليس مجرد رقم في إحصائية، بل هو 71 قصة إنسانية، و71 عائلة تعيش الألم، و71 مستقبلًا تعرض للتعطيل بفعل الاعتقال. وهو يسلط الضوء على ضرورة تحرك المؤسسات الدولية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان من أجل حماية حق الطلبة الفلسطينيين في التعليم، باعتباره حقًا أصيلًا تكفله المواثيق والاتفاقيات الدولية.

ففي فلسطين، لا يخوض بعض الطلبة امتحان الثانوية العامة على مقاعد الدراسة، بل يخوضون امتحانًا أشد قسوة خلف القضبان، حيث يصبح النجاح مؤجلًا، لكن الأمل يبقى حاضرًا، والإيمان بأن الحرية ستعيدهم يومًا إلى مقاعد العلم، أقوى من كل القيود.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا