السكة – المحطة الفلسطينية – كتب تأبط شراً
قالوا إن الحركة بيت المناضلين ،صدقتهم.
ثم اكتشفت أن البيت تغيّر!!
المناضلون خرجوا من الباب الخلفي، ودخل المقاول من الباب الرئيسي، وجلس في صدر الصالون، وأخذ يشرح للحاضرين تاريخ الكفاح الوطني، وكأنه هو الذي اخترع الثورة في ليلة مطيرة.
قالوا: “العضوية شرف.” ولم يكذبوا.
لكنهم نسوا أن يقولوا إن الشرف درجات. هناك عضو يحتاج خمسين سنة ليُسمح له بالكلام.
وهناك عضو يحتاج خمس دقائق ليصبح من أهل الحل والعقد… بشرط أن يعرف من أين تُشترى مفاتيح الأبواب.
في الزمن القديم، كان السؤال: كم سنة أمضيت في السجن؟
أما اليوم فالسؤال: كم رقم هاتف عندك في قائمة “أصحاب القرار”؟
فالسجن لم يعد شهادة. أما الهاتف… فهو وسام المرحلة.
كنت أظن أن النظام الداخلي هو الذي يحكم الحركة.
ثم اكتشفت أن النظام الداخلي يشبه ساعة الحائط في الدوائر الحكومية. موجود… لكن لا أحد ينظر إليها.
أما الوقت الحقيقي، فيحدده صاحب المكتب.
وأعجبتني كلمة “الرفيق”. كلمة جميلة. دافئة.إنسانية.
لكن يبدو أنها تقاعدت مبكرًا. وحل محلها لقب جديد:
“شريك.”
شريك في المشروع. شريك في الصفقة. شريك في التعيين.
وشريك في توزيع الغنائم.
حتى الثورة دخلت سوق الشراكات.
والتقارير… يا سلام على التقارير. هذه ليست أوراقًا.
هذه عصيّ سحرية. تستطيع أن تحول المناضل إلى متهم.
والمتسلق إلى قائد. والتاريخ إلى شائعة. والشائعة إلى قرار تنظيمي.
دون أن يرف لأحد جفن. في الماضي، كانت الحركة تخشى الاختراق.
اليوم يبدو أن الاختراق هو الذي يخشى الحركة… من شدة الزحام.
كل شيء أصبح مباحًا. إلا الصراحة. وكل الأبواب مفتوحة.
إلا باب الحقيقة.
حتى المؤتمرات أصبحت تشبه حفلات الزفاف.
المدعوون معروفون مسبقًا. والمقاعد محجوزة. والتصفيق جزء من البرنامج.
أما المفاجأة الوحيدة… فهي أن يخرج أحد ويقول رأيه.
عندها ينظرون إليه كما ينظر الناس إلى رجل دخل السينما وهو يطلب كتابًا.
والأجمل من كل ذلك… أن الجميع يتحدث عن “حماية المشروع الوطني”.
ولا أحد يخبرك من يحمي المشروع… من حراسه.
كلما كثر الحراس… اختفت الخزنة. .. وكلما علت الشعارات… انخفض السقف الأخلاقي.
وكلما ازدادت صور المؤسسين على الجدران… قلّ عدد الذين يشبهونهم في الممرات.
وأخيرًا فهمت السر. الثورة لم تمت… حاشا لله.
هي فقط… غيرت نشاطها التجاري.
من حركة تحرر… إلى شركة إدارة مصالح… ومن مكتب التعبئة… إلى مكتب الموارد البشرية.
ومن شعار “حتى النصر”… إلى شعار أكثر واقعية:
“يرجى مراجعة الإدارة… فالقرار بيد المساهمين.
عن حركة فتح ورجالات سلطتها العاطلة عن العمل أتحدث

