السكة – المحطة الدولية
في خطوة غير مسبوقة منذ تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 2002، صوّتت الدول الأعضاء، الجمعة، بالأغلبية على عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه، على خلفية اتهامات تتعلق بسوء السلوك، وذلك خلال جلسة خاصة عقدت في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك.
وحصل قرار العزل على تأييد 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة، متجاوزًا الأغلبية المطلوبة البالغة 63 صوتًا، فيما عارض القرار 13 دولة، وامتنعت 15 دولة عن التصويت، بحسب ما أعلنته رئيسة جمعية الدول الأطراف بايفي كاوكورانتا.
وأكدت كاوكورانتا أن الدول الأعضاء خلصت إلى أن خان ارتكب “سوء سلوك جسيمًا وإخلالًا خطيرًا بواجباته الوظيفية”، في إشارة إلى قضية تتعلق بعلاقة غير لائقة مع إحدى الموظفات العاملات في مكتبه.
ويُعد القرار أول حالة عزل لمدعٍ عام في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، على أن يبدأ لاحقًا مسار انتخاب مدعٍ عام جديد.
خان يرفض القرار ويهدد بالاستئناف
من جانبه، رفض كريم خان القرار بشكل قاطع، فيما وصف محاميه طيب علي إجراءات العزل بأنها تفتقر إلى العدالة والضمانات القانونية، مؤكدًا أن موكله لم يُمنح فرصة عادلة للدفاع عن نفسه.
وقال علي إن قرار العزل “لا يستند إلى أي نتيجة قانونية سليمة تثبت ارتكاب كريم خان أي مخالفة”، معلنًا أن الأخير يعتزم الطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية التابعة لمنظمة العمل الدولية.
وأضاف أن المدعي العام أُقيل “في ظل عقوبات أمريكية وضغوط سياسية غير مسبوقة تتعرض لها المحكمة”، معتبرًا أن ما جرى يهدد استقلال المؤسسة القضائية الدولية.
اتهامات مثيرة للجدل
وتعود القضية إلى شكوى تقدمت بها موظفة في مكتب الادعاء، تضمنت اتهامات بإقامة علاقة جنسية غير رضائية مع خان خلال الفترة الممتدة بين مارس/آذار 2023 ومطلع عام 2024، وهي الاتهامات التي نفاها المدعي العام بشكل كامل.
ورغم أن لجنة من القضاة المستقلين، بعد مراجعة آلاف الصفحات من الأدلة، خلصت إلى عدم وجود ما يثبت ارتكاب خان مخالفة تستوجب العقوبة، فإن المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأطراف تجاهل هذا الرأي، واعتبر أن الأدلة كافية للمضي في إجراءات عزله، وهو ما أثار انتقادات من خبراء قانونيين ومنظمات حقوقية.
ملف إسرائيل يلقي بظلاله على القضية
وجاء قرار العزل في ظل جدل سياسي واسع، خصوصًا بعد أن قاد كريم خان التحقيقات التي انتهت بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب عدد من قادة حركة حماس، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب في قطاع غزة.
ورحبت إسرائيل بقرار عزل خان، إذ وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الخطوة بأنها “متأخرة”، داعيًا المحكمة إلى سحب مذكرات التوقيف الصادرة بحق المسؤولين الإسرائيليين.
في المقابل، اعتبرت أكثر من 180 منظمة حقوقية فلسطينية ودولية أن إجراءات عزل خان اتخذت طابعًا سياسيًا، محذرة من أن الضغوط التي تعرضت لها المحكمة قد تؤثر على استقلالها ومستقبل ملاحقة جرائم الحرب.
ويفتح عزل كريم خان صفحة جديدة في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة المحكمة على الحفاظ على استقلالها في مواجهة الضغوط السياسية والدبلوماسية المتصاعدة، لا سيما في القضايا ذات الحساسية الدولية

