السكة – محطة عرب تكساس
لم تعد أزمة الأفيونات في الولايات المتحدة تُختزل في شبكات تهريب المخدرات أو عصابات التوزيع غير المشروعة، بل امتدت خلال السنوات الماضية إلى قلب المنظومة الصحية نفسها، حيث استغل بعض الأطباء والصيدليات صلاحياتهم القانونية لتحويل الوصفات الطبية إلى تجارة تدر ملايين الدولارات.
وفي هذا السياق، تواصل السلطات الفيدرالية ملاحقة ما يُعرف بـ”عيادات توزيع الأدوية” (Pill Mills)، وهي منشآت طبية تبدو قانونية ظاهريًا، لكنها تعمل فعليًا على إصدار وصفات لعقاقير خاضعة للرقابة دون مبررات طبية، لتجد طريقها لاحقًا إلى السوق السوداء، في واحدة من أخطر الثغرات التي غذّت أزمة الإدمان والوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة.
وفي أحدث هذه القضايا، أصدرت محكمة فيدرالية في ولاية تكساس حكمًا بالسجن لمدة 151 شهرًا (12 عامًا ونصف) بحق الطبيبة مريم قيوم (68 عامًا)، بعد إدانتها بإدارة عيادة في منطقة كينغوود شمال هيوستن تحولت، بحسب وزارة العدل الأمريكية، إلى مركز غير مشروع لتوزيع العقاقير الأفيونية. (Houston Chronicle)
أكثر من ثلاثة ملايين حبة
بحسب وثائق المحكمة، كانت قيوم المالكة والطبيبة الوحيدة في Recare Health Clinic، حيث أصدرت بين عامي 2022 و2025 وصفات طبية لأكثر من 3 ملايين حبة أفيونية، شملت عقاقير عالية الخطورة مثل الأوكسيكودون والهيدروكودون.
وتؤكد السلطات أن الوصفات لم تكن تصدر لأغراض علاجية مشروعة، بل كانت تُباع نقدًا لأشخاص يعملون لصالح تجار مخدرات، قبل إعادة بيع الأدوية في السوق السوداء بأسعار مرتفعة. كما كشفت التحقيقات أن بعض الوصفات كانت تُحرر من دون فحص طبي حقيقي، وفي حالات عدة من دون مقابلة المريض أصلًا. (Houston Chronicle)
“سعر” لكل وصفة
تكشف أوراق القضية أن العيادة لم تكن تتعامل مع الوصفات الطبية بوصفها خدمة صحية، وإنما وفق منطق تجاري يعتمد على القيمة السوقية للعقار.
فقد بلغ سعر وصفة الأوكسيكودون بتركيز 30 ملغ نحو 500 دولار، بينما بيعت وصفات الهيدروكودون مقابل نحو 300 دولار، فيما حصل بعض العاملين على مبالغ إضافية لتسريع إصدار الوصفات للوسطاء الذين يجلبون المرضى إلى العيادة. وعثرت السلطات أثناء مداهمة العيادة على قائمة أسعار مكتوبة توضح قيمة كل وصفة طبية نقدًا. (FOX 26 Houston)
شبكة لم تتوقف عند الطبيبة
لم تكن قيوم المتهمة الوحيدة في القضية، إذ أدانت السلطات أربعة أشخاص آخرين، بينهم ممرضة ممارسة، وصيدلي تولى صرف الوصفات، وحارس أمن، إضافة إلى أحد تجار المخدرات الذي كان يستقطب أشخاصًا للحصول على الوصفات وإعادة بيع الأدوية لاحقًا.
ويرى الادعاء الفيدرالي أن القضية تكشف آلية عمل متكاملة تبدأ داخل العيادة وتنتهي في السوق السوداء، مستغلة الثقة التي يمنحها القانون لمقدمي الرعاية الصحية. (FOX 26 Houston)
لماذا تركز واشنطن على “عيادات توزيع الأدوية”؟
تأتي القضية ضمن استراتيجية أوسع لوزارة العدل الأمريكية تستهدف إساءة استخدام الوصفات الطبية باعتبارها أحد أهم مصادر تسرب العقاقير الأفيونية إلى الأسواق غير المشروعة.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السلطات الفيدرالية التحقيقات مع الأطباء والصيدليات المتورطين في صرف وصفات غير قانونية، بالتوازي مع تشديد الرقابة على صرف المواد الخاضعة للرقابة، وتوسيع استخدام قواعد البيانات الإلكترونية لرصد أنماط وصف الأدوية والكشف المبكر عن الممارسات المشبوهة.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن مكافحة أزمة الأفيونات لا تقتصر على ملاحقة مهربي المخدرات، بل تشمل أيضًا تجفيف مصادرها داخل المنظومة الصحية، حيث يمكن لوصفة طبية واحدة أن تتحول إلى سلعة مربحة في السوق السوداء إذا أُسيء استخدامها. (Houston Chronicle)
أزمة مستمرة
تعكس قضية مريم قيوم جانبًا من التحديات التي لا تزال تواجهها الولايات المتحدة في احتواء أزمة الأفيونات، إذ تشير السلطات إلى أن جزءًا من هذه الأزمة ارتبط تاريخيًا بإساءة وصف المسكنات القوية، قبل أن تنتقل أعداد كبيرة من المدمنين لاحقًا إلى مخدرات أشد خطورة مثل الفنتانيل غير المشروع.
ورغم تشديد القوانين والإجراءات الرقابية خلال السنوات الأخيرة، تؤكد القضايا التي تكشفها وزارة العدل أن بعض الشبكات ما زالت تستغل الثغرات داخل النظام الصحي لتحقيق أرباح ضخمة على حساب الصحة العامة، وهو ما يدفع السلطات إلى مواصلة ملاحقة ما يُعرف بـ”عيادات توزيع الأدوية” باعتبارها إحدى حلقات تغذية سوق المخدرات غير المشروعة. (KHOU)

