السكة – محطة المقالات- كتب تأبط شراً
إذا كنت تعتقد أن كلمة “فضيحة” ما زالت قادرة على إحداث صدمة في المشهد الفلسطيني، فأنت على الأغلب لم تتابع نشرات الأخبار منذ سنوات.
في بلادنا، لم تعد الفضائح تزورنا، بل استأجرت شقة دائمة، وغيّرت عنوانها في الهوية إلى: “إجراء إداري”.
كل يوم يخرج علينا مسؤول بابتسامة الواثق ليحدثنا عن “تعزيز الصمود”، بينما المواطن يبحث عن حفرة لا تبتلعه في شارع لم يرَ الإسفلت منذ اتفاق أوسلو، أو عن مدرسة تحتاج إلى طباشير أكثر مما تحتاج إلى الخطب الوطنية.
ثم يأتيك قرار تعيين يثير عاصفة من الجدل، فتكتشف أن المشكلة ليست في القرار وحده، بل في أن أحدًا داخل المؤسسة لم يتوقع أصلًا أن الناس قد تستغربه.
يبدو أن معايير التعيين لدينا دخلت مرحلة جديدة؛ لم يعد السؤال: “من الأكفأ؟”، بل: “من يستطيع القرار أن يمرره دون أن يتسبب بانهيار المبنى؟”
أما الحديث عن الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، فقد أصبح يشبه الحديث عن الديناصورات؛ الجميع سمع بها، لكن لا أحد رآها في الواقع.
المفارقة المضحكة أن السلطة لا تتوقف عن مطالبة الناس بالصمود، بينما تمارس كل ما يجعل هذا الصمود مهمة مستحيلة. تريد من المواطن أن يقاوم الاحتلال، ويقاوم البطالة، ويقاوم الفساد، ويقاوم المحسوبية، ثم يبتسم للكاميرا وهو يستمع إلى خطاب رسمي عن “الإنجازات الوطنية”.
وفي كل مرة يُثار فيها الجدل، يخرج مسؤول ليحدثنا عن “عدم تسييس القضايا”. يا سلام! وكأن السياسة عندنا لم تعد تتدخل إلا في الطقس.
السلطة تبدو أحيانًا وكأنها تعمل وفق مبدأ بسيط: إذا كان القرار يثير الاستغراب، فامضِ فيه. وإذا أثار الغضب، فأصدر بيانًا. وإذا تحول إلى أزمة، فشكّل لجنة. وإذا سألك أحد عن نتائج اللجنة… فشكّل لجنة أخرى.
المواطن، في المقابل، أصبح يمتلك مناعة خارقة. لم يعد يسأل: “كيف حدث هذا؟” بل يسأل: “ما المفاجأة التالية؟”
وربما هذا هو أخطر ما وصلنا إليه؛ أن تتحول القرارات المثيرة للجدل إلى خبر عادي، وأن يصبح الاستثناء هو وجود قرار يستند فعلًا إلى الكفاءة والشفافية.
ليس مؤلمًا أن تختلف مع السلطة، بل أن تشعر أحيانًا أنها تختلف مع أبسط قواعد المنطق.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو الممول، والمتفرج، والناقد، والضحية… بينما يستمر عرض “الإصلاح الإداري” على المسرح نفسه، بالممثلين أنفسهم، وبالنص نفسه، مع تغيير بسيط في أسماء الشخصيات بين فصل وآخر

