السكة – المحطة العربية – تحقيقات
في الليمون والرمان والبطيخ والفلفل والفول.. ومؤخرات الخراف، في الصابون والطحين والتمر وعبوات الحليب والقهوة والشاي. في قاع حاويات الشحن وفي الكابلات والآلات وعبر الطائرات المسيرة.
تعددت الأساليب والهدف واحد: تهريب المخدرات.

إدمان المخدرات ليس ظاهرة جديدة، إلا أن تعدد أشكال وأصناف المواد المخدرة زاد في السنوات الأخيرة وباتت تداعياتها وتحدياتها أكثر خطورة، فيما يُمضي المروجون لها والعاملون عليها في ابتكار أساليب جديدة ومختلفة لتهريبها بين المدن والدول والحدود، سواء عبر مسارات برية أو بحرية أو جوية.

وفي حين تشدد القوانين في تغليظ العقوبة في معظم دول العالم حيث تصل في أغلبها الى الإعدام ، الا الإنزلاق في هاوية التسييس والتوظيف في الصراعات يضعف الى درجة كبيرة جهود مكافحة هذه الآفة.

ولطالما استخدمت أموال المحدرات من قبل دول وأجهزة استخبارات لتمويل مشاريع سياسية عبر العالم، بعضها أطاح برؤساء دول، واستخدمت أموال المخدرات في تمويل اضطرابات، وعمليات انقلاب، ونزاعات مسلحة.

عربياً، تظهر الإحصاءات والبيانات الرسمية في غالبية الدول أن تعاطي أو تهريب المخدرات لم يعد حكراً على الذكور أو على جماعات أو جهات معينة، إذ شهدت مجتمعاتنا العربية ارتفاعاً في نسب التعاطي والتهريب، في حين تبذل السلطات الأمنية في مختلف الدول مزيداً من الجهود لضبط حدودها في محاولة لمنع دخول ما يذهب العقل ويفني الجسد.

أرقام وإحصاءات عالمية
مع زيادة الطرق البرية والبحرية المستخدمة في التهريب، والتوسع في استخدام الطائرات الخاصة لغرض الاتجار بالمخدرات، زادت شحنات المخدرات غير المشروعة حول العالم، وسجلت طفرة في استعمال طرق غير تلامسية في تسليم المخدرات إلى المستهلكين النهائيين.

في عام 2020، تعاطى نحو 284 مليون شخص حول العالم تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة المخدرات، أي ما يشكل نحو 5.6 في المئة من سكان الأرض، حسب التقرير السنوي بشأن المخدرات في العالم لعام 2022 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ويشكل هذا الرقم زيادة قدرها 26 في المئة عن عام 2010، تعود جزئياً إلى النمو السكاني العالمي.

وفي عام 2019، قتل تعاطي المخدرات وحده ما يقرب من نصف مليون شخص، وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 70 في المئة من هذه الوفيات ارتبط بتعاطي المواد الأفيونية، فيما تجاوزت نسبة الوفيات الناجمة عن أخذ جرعات زائدة 30 في المئة.

وبينما يعد القنب أكثر المخدرات استخداماً في العالم، سجل إنتاج كل من الكوكاكيين والأفيون نمواً كبيراً، فبالأرقام، سجل إنتاج الكوكايين رقماً قياسياً عام 2020، إذ نمت صناعته بنسبة 11 في المئة لتصل إلى 1982 طناً، فيما وصلت كمية المضبوطات إلى 1424 طناً في العام ذاته، وتهريب الكوكايين آخذ في التوسع من طريق البحر ليتجاوز السوقين الرئيستين في أميركا الشمالية وأوروبا إلى أفريقيا وآسيا، كذلك نما إنتاج الأفيون عالمياً بنسبة سبعة في المئة بين عامي 2020 و2021 إلى 7930 طناً، وأنتجت أفغانستان وحدها نحو 86 في المئة منه عالمياً سنة 2021.
المخدرات في العالم العربي

مسارات ودروب التهريب
تتنوع طرق تهريب المخدرات في الشرق الأوسط والعالم العربي بين الخطوط البحرية والجوية والبرية، فضلاً عن استحداث أساليب جديدة ومبتكرة للتحايل على أجهزة أمن الحدود والجمارك، بما فيها استخدام الطائرات الخاصة والطائرات المسيرة.

تهريب المخدرات من طريق البحر يعد التحدي الأكبر للسلطات الرسمية، بسبب حركة النقل الكثيفة للاستيراد والتصدير عبر دول العالم، سواء في القوارب الصغيرة أو عبر سفن الشحن الضخمة التي تنقل حاويات بضائع كبيرة، وعلى هذا الصعيد، أصبح شرق أفريقيا وغربها يتمتعان بأهمية كبرى في مسارات التهريب البحري، إذ يعبر الكوكايين القادم من أميركا الجنوبية موانئ غرب أفريقيا للوصول إلى أوروبا، فيما يهرب الهيروين من جنوب غربي آسيا عبر شرق أفريقيا للوصول إلى المستهلكين في غرب ووسط أوروبا، كذلك تعد تركيا ممراً مهماً لتهريب المخدرات، لا سيما الكوكايين، من أميركيا الجنوبية إلى الشرق الأوسط والدول الأوروبية.

بالنسبة إلى الحشيش المغربي، يعتمد تهريبه بالأساس على شبكات تتحرك عبر المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك عبر مسارات برية تمر بموريتانيا وليبيا وشمال النيجر ومالي.
ومع تحول سوريا إلى مركز أساسي لصناعة المخدرات، لا سيما الكبتاغون، بعد اندلاع الحرب فيها عام 2011، نشطت حركة التهريب على طول الحدود الأردنية السورية سواء من خلال المعابر الحدودية التابعة لمحافظة إربد شمال الأردن، وهي مركز حدود الرمثا ويقابله مركز درعا في الجانب السوري، أو من خلال مركز حدود جابر الذي يقابله مركز حدود نصيب في سوريا، هذه التدفقات الكبيرة عبر الأراضي الأردنية، جعلت هذا البلد مركز استهلاك للكبتاغون وليس فقط نقطة عبور، حسب تصريحات دائرة مكافحة المخدرات في عمّان لموقع “بي بي سي”، لا سيما بسبب رخص ثمن هذه الحبوب وسهولة انتشارها في أوساط الأشخاص الأكثر فقراً.

ولا يقتصر تهريب المخدرات من سوريا على الممرات البرية عبر الأردن فقط، بل يتوسع ليشمل طرقاً عدة عبر معابر لبنان البرية ومطاره ومرافئه، وعبر مصر. وبحرياً، يعد ميناء اللاذقية شمال سوريا نقطة انطلاق أساسية في تصدير المخدرات إلى الأسواق الخارجية عبر البحر المتوسط، خصوصاً إلى الدول الخليجية حيث القدرة الشرائية قوية، بعدما تخبأ الشحنات في قاع حاويات الشحن أو في عبوات سلع استهلاكية كالحليب، أو في شحنات فواكه وغيرها من المعدات.

سوق تزدهر
يؤكد التقرير السنوي للمخدرات في العالم لعام 2022، أن “سوق الكبتاغون تواصل الازدهار في الشرقين الأدنى والأوسط، حيث بلغت المضبوطات مستوى قياسياً في عام 2020″، ويضيف أن “نقطة الانطلاق للاتجار هي الشام (سوريا ولبنان) وتبلغ وجهات المقصد في بلدان الخليج إما مباشرة من طريق البر والبحر، أو بشكل غير مباشر من طريق أوروبا وربما شمال أفريقيا، وتشير المضبوطات الأخيرة في شرق آسيا وغرب أفريقيا إلى زيادة التوسع الجغرافي لسوق الكبتاغون”.

وبحسب تقرير صادر عن معهد “نيو لاينز” الأميركي، أعده الباحثان كارولين روز وألكسندر سود، باتت تجارة الكبتاغون تشكل “اقتصاداً غير مشروع متسارع النمو في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط”، حيث تقدر القيمة المحتملة لتجارة التجزئة عام 2021 بأكثر من 5.7 مليار دولار، وهو رقم يعكس فقط قيمة سعر التجزئة للحبوب التي جرت مصادرتها في هذا العام والتي حددها التقرير بأكثر من 420 مليون حبة.

