السكة – محطة كتاب السكة – كتب عبدالله شقير
تتزاحم في ذهني الأفكار وأنا أشرع في كتابة ما استقر في جَناني مما رأيته وسمعته وقرأته خلال أحداث مخيم جنين الأخيرة ، فالأخبار الواردة من هنا وهناك تنبئ بحقيقة ليست غائبة عن أحد ، ولكنها تؤكد ما استقر في الضمير العربي ، فقد خابت الظنون مرة أخرى كما هو عهدنا بالخذلان في كل مرة ، فنحن نَعلَفُ الجُبن كما تُعلف الأبقار والأغنام .. كرامتنا مُضيّعة ، وشجاعتنا مزيفة ، قد وُسِمتْ بالذل والصَّغار ، كلقمة مستساغة نستمرؤها من رضا الشيطان ، حتى غدونا كمن يأكل في بطنه نارا ، فهنيًا لنا بالنار ممزوجة بالخزي بالعار .
إن عهد الناس بالأيام عهد معلوم ، فحالها مع البشر ككأس تدور بين الأفواه ، فالصارمُ في دنياها ينبو ، والجوادُ يكبو ، والعالِمُ يهفو ، أما أن تغدو أمةٌ برمتها كثور جامح تعثر وسقط ثم تطأه الأقدامُ فلا تُرجى قيامته فإن ذلك مما لم تحدث به الأممُ ، ولا هو في كتب التاريخ مرقوم .
إنّا مذ غشِيَتْنا الأممُ ووضعت رجلها في ركابنا وارتقت رقابَنا فإنا قد غدونا كالرمم لا وزن لنا ، ولا للشريف فينا وزن بين الأمم .
منذ أيام خلت اقتحم العدو الصهيوني جنين وعاث فيها فسادا على مرأى ومسمع من العالم أجمع ، فلا تحرك في الكون ساكنٌ إلا ما حركَهُ فينا أهلُ جنين من الألم ، بعد ما روعتنا صور القتل والتهجير ، وكأنّا بفلسطين في سالف عهدها تنزح مرة أخرى ، فما أشبه اليوم بالبارحة ! صورةٌ تكررت فأزاحت الستر عن الذاكرة ، فالهجرة ذات الهجرة .. والقتل ذات القتل ، وحكامنا هم الحكام ، والجبن فينا تضاعف مرات ومرات ، والخذلان استقر في الوجدان ، أما الكرامة والشجاعة والإقدام فقد غدت كلمات في معجم اللغة وقد طواها النسيان ، ليس لها في القلب مستقر وليس لها في الجَنان مكان .
أحسَبُنا كنا نندد .. نشجب .. نستنكر .. نصدر صوتا وضجيجا ، فمن الذي منعَنا أن نشجبَ وكيف مُنعنا الاستنكار والتنديد ؟! .
على من آسى ؟ أعلى السلطة الفلسطينية التي خذلت جنينَ وطالما أوغلت من قبل في العمالة والخذلان ؟ ماذا سننتظر من سُلطة لمّا راودها الإفلاس هبت إسرائيل بقضها وقضيضها لتنقذ السلطة من ذاك الإفلاس ؟ فماذا تريدون منا بعد ذلك أن نفهم ؟ فالكتاب من عنوانه يُفهم ، ومَن لا زال يظن في السلطة الفلسطينية خيرا فلْيَرْعَ مع الغنم .
لقد تقرح القلب من كثرة ما تغشّاه الهم ، وتكاد الكلمات تتلعثم فلا تخرج من الحلق ، واللسان معقود بنفسه خشية أن ينطلق فلا يُبين ، فيغدو بين الألسنة عَيِيّا ، ومتى كان للعِي إلينا سبيل ؟ ففي الوقت الذي تئن فيه جنين – وعهدنا بها وبفلسطينَ كلِّها ذاك الأنين – أعظمَنَا سكوت الحكام والشعوب كخطب جليل ، فلا حاكم عربي نطق ، ولا رئيس دولة استنكر، ولا وزراء خارجية ولا برلمانات ، ما الذي خاط ألسنتكم وأطبق شفاهكم ؟ وكيف ماتت مشاعر الرجولة فيكم ؟ كيف تشعرون وعيون الشعوب الحية تنظر صوبكم تنتظر منكم كلمة جزلة توقظ الرجولة فيكم إن بقي فيكم أثرٌ من رجولة ؟ إنا لنعلم أنه لن يهتز فيكم إحساس قد تم قتله بعد أن بعتموه وقبضتم الثمن عروشا أُوْرِثتموها ذلا وهوانا .
ولعل الأنكى هذه المرة في الأمر كله موقف الشعوب التي لم تحرك ساكنا ولم تستشعر سطوة الأنين في أهل جنين .. فإن أخاك من واساك .. ولكن جنين لم تجد لها مواسٍ ولم تجد لها بواكيا .
إن مما لا يقبله عقل ولا تقبله همة ولا تتسع له ذمة أن تشجب وتستنكر طائفةٌ من هذه الأمة نفادَ التذاكر لحفلة كاظم الساهر وأصالة في الدار البيضاء والتي نفدت في نفس اليوم الذي طُرحت فيه بما فيها تذاكر الدرجة الأولى والتذاكر الذهبية .
فوالله ما استقام عندي فَهم ، ولن يستقر حُلمٌ لذي علم وفَهم أن يجمع بين الخبرين ؛ جنين تئن تحت القصف والقهر والقتل والتهجير، وشعوبٌ لنا تستنكر وتشجب وتندب حظها العاثر في فوات فرصة لها أن تسمع فيها كاظم الساهر وأصالة يشدوان ويغنيان على جراح وطن مكلوم وشعب مقهور وأمهات ثكلى وأطفال أمسَوا أيتاما .

