الأحد, مايو 3, 2026

الأكثر

الرئيسيةمجتمع السكةطبائعُ عربِ أمريكا بين النفاق والعهر الاجتماعي

طبائعُ عربِ أمريكا بين النفاق والعهر الاجتماعي

السكة – محطة عرب تكساس – مجتمع السكة – عبدالله شقير رئيس التحرير

إن آداب السلوك الاجتماعي في التعامل مع شرائح الناس المختلفة والارتقاء بها وترسيخها في النفوس لَمِمّا تجنح له النفوس السويّة التي تسعى لأن ترتقي في تعاملها الحَسَن مع كافة أطياف البشر ، فلا تجعلُ حدّا تقفُ عنده في حسن التعامل ، بل تتزيّن بالخلق الحسن في كل وقت حتى يكون طبعا متأصلا بذات الرجل وبه يوسم وبه يُعرف .

ولقد عُرِفَ عن العرب مما عُرفَ من جميل صفاتهم – وقد توالت الأخبار في ذكر مناقبهم – الصدقُ والأمانةُ وحسنُ الصحبة والترفّع عن الدنايا والتواضع وحسن الحديث والكرم وغيرها من السجايا التي طالما كانت سببا في ارتقاء العنصر العربي في خُلُقِهِ ودينِه .

ومع دخولنا عصرَ العولمة بمنحاها الثقافي امتزجت القيم واختلطت العادات والتقاليد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بين الشعوب المختلفة وانتشرت ثقافات عديدة بين الناس عندما غدا العالم كله قرية صغيرة تقلّبه في جلسة بين يديك ، وأصبح واقعا يفرض نفسه ولا سبيل لتحييده .

إن أزمتنا المعاصرة تكمن في تفشي ظاهرة النفاق الاجتماعي لدرجة كارثية من الكذب الصريح والمجاملة الممجوجة ، وطمس الوقائع وتزييف الحقائق والنفاق الداعر وتحريف الكلم عن مواضعه ، حتى باتت تلك الظواهر سمة العصر  إلا من رحم الله تعالى ، الأمر الذي أدى إلى انحدار كثير من القيم والأخلاق ، وبسبب ذلك ساءت كثير من العلاقات الاجتماعية وضاعت الحقوق واستشرى الظلم بأبشع صورة ، وتعلمت الأجيال الخوف والجبن وتجرعت ثقافة الخنوع والضعف والاستكانة .

ومما يؤسف له أننا كعرب لم نستقِ من هذا العالم الذي أصبح جليا بثقافاته وطبائعه المتعددة والمتنوعة ما نرتقي به بين الأمم ، بل ساءت كثيرٌ من صفاتنا وانسلخنا من جلودنا ومن أخلاقنا التي عهدناها في أهلنا ومعلمينا ودَرَجْنا عليها في مرحلة العِلم والتعلّم ، وزاغ بنا الطريق إلى مسالكَ وعرةٍ من سوء الصفات وزَيْفِ النّيّات.

وبالنظر في طبائع العرب في الغربة ومن دراسة وملاحظة سلوكنا في مجتمعنا الذي يجمعنا في أمريكا تجدنا قد ارتفعت أنوفنا كِبْرا وتعاليا ، ولست أدري ما السبب الذي يسوق العربَ إلى الكِبْر والتعالي في أمريكا بالذات ؟ أهو اللهو والانغماس في الملذات ؟! لماذا نلبس نحن العرب ثوبَ الخُيَلاء كلما حطّتْ أقدامنا في أمريكا ؟ وهل في الاغتراب في أمريكا مدنيّة وحضارة اكتسبناها وارتقت بنا في سامي المكانة وعظيم المنزلة عفةً وشرفا وكرماً ورِفعة ؟ إن كانت كذلك فإن الكرم والشرف والعفة هي سبُلُ التواضع والمودة والمحبة والألفة .

ومن الصفات المقيتة التي أصبح العربيُّ يتصف بها نظرتُهُ للآخر ، إذ يُوزن الرجالُ في نظر العربيّ بما تتسع له جيبُه من مال ، فالمال مقياس الروعة ومقياس الجمال لدى العربي ، ولا يعني العربيَّ في أمريكا ما يتصف به الرجال من الصدق والأمانة والعلم وحسنِ المعشر وكرم الأخلاق شيئا ، وإذا ما قَدِمَ رجلٌ بهيئتِه صُرِفَ له من التقدير والاحترام ما يناسب ثوبَه وهيئتَه ، وصاحبُ السيارةِ الأفخمِ له القدرُ الأوفر من الكرامة وحسن الاستقبال .

لقد نأت بنا أخلاقنا وكريم صفاتنا التي كانت جزءا منا عن جادة الصواب في تقييمنا لأنفسنا فيما بيننا ، فظاهرُ الرجل وزينتُه وتأنُّقُه هي أولى من جوهره وإن علتْ صفاتُه وامتد كرمُه وعَظُم حسبُه ونسبُه ، وأصبحنا والغيبة فينا من أسوأ ما طرأ علينا في أخلاقنا ، فترى الرجل يجالس الرجل منا والكرامة تُظلِّلُهما فإذا ما قام أحدُهما اغتابه الآخرُ عند مغادرته ونعتَه بأسوأ ما فيه وبهتَه كأنما ما كانت بينهم مودة تُظلِّلُهم وهم جلوس ، فما بالُنا نطعنُ بعضَنا  بعضاً في الظهر وابتسامتُنا يملؤها النفاق إذا ما التقى بعضُنا ببعض .


 
وإن كان الرجل منا ذا نعمةٍ حسَدَهُ العربي على نعمته التي أنعم الله بها عليه ، فلسنا مِمّن يحب الخير لغيرنا ، بل جعلنا محبة الخير حكرا لأنفسنا ، وغدونا نكره كل نعمة تلحق بالجار والصديق في كياننا العربي .

لقد ألحقْنا بأنفسنا العارَ عندما اخترنا لأنفسنا منزلةً أدنى بين البشر حين اعتنقْنا صفاتٍ هي من أسوأ ما قد يتّصف به بنو البشر من الحسد والغيرة وتقديم المصلحة ولو أضرّت بالآخرين ، بل ونسعى في استجلاب الضرر للجار والصاحب والزميل ، وتاهت بنا الكرامة والعزة التي اكتنفت آباءنا زمنا طويلا في ظل منافسات غير شريفة تفتقر لكل مظاهر النزاهة في ميدان المصلحة والعمل ، فكيف ارتضى العربي لنفسه في بلاد العم سام أن يكون إنسانا غيرَ نزيهٍ ولا سويّاً ومجرّداً من الكرامة والأخلاق .

ولعل من أسوأ ما ينتشر بين أبناء الجالية العربية ذلك الانفلات الأخلاقي الذي نشهده فيما بيننا من معاقرةٍ للخمور ومصاحبةٍ للنساء ومن لعبٍ للقمار ، وذابت كل القيم العربية في نفوس الرجال وانصهرت في أخلاقٍ ما عهدناها في ديننا ولا في عاداتنا وتقاليدنا .

ماذا عليك أيها العربي لو حطّتْ رحالُك في أمريكا ! أيعني نزولك في هذه الأرض أن تستغنيَ عن أصلك ودينك وأخلاقك وكل ما تزيّنْتَ به من عادات وتقاليد هي أعلى منزلةً مما لبستَهُ من خلقٍ دنيء اكتسبتَه في بلادٍ لم ولن ترقى بأخلاقها كما ارتقت الأخلاق العربية الكريمة المستمدة من ديننا وثقافتنا وأصالتنا ، والتي تمتد في قرون خلت في لحم تاريخنا العربي المجيد الذي انسلخنا منه كما ينسلخ الليل والنهار من بعضهما .

ولئن كنتُ منتقداً حالاً طغت في صفات كثير من العرب في الغربة فلا بد لي في معرض هذا الحديث أن أُثني على بعضِ أهلنا في الجالية العربية ، فمنهم من استمسك بدينه وأخلاقه ولم تغيره الغربة في أمريكا ولم تسلخه عن دينه وثقافته العربية ، بل وترى بعضهم يتابع أولاده ويراقبهم حتى لا يذوبَ أحدُهم في هذه الثقافة الغربية التي من استسلم لها جردته من خُلُقِه ودينِهِ القويم .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا