السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
لا أعرف من أين أبدأ الكتابة ؟ هل تكون البداية من حيث النهاية ؟ من مشهد الدكتور حسام أبو صفية وهو واقف شامخ يمشي بثبات نحو دبابات الاحتلال، غير آبه بها أو بما قد يصيبه؟ أم أبدأ من مشهد الأب المكلوم الذي أمَّ الناس في صلاة الجنازة على ابنه إبراهيم وقد غلبت الدموع عينيه، لكنه أتمَّ الصلاة على عجَل ليعود إلى مرضاه وجرحاه في المستشفى؟
هل أستذكر معكم فيديوهات الدكتور حسام وهو يستنهض أمته بنداءات ملؤها الأمل والقوة لإنقاذ ما تبقى من غزة؟ أم نتحدث عن الفلسطيني الذي يحمل جنسية أجنبية، لكنه أصر على البقاء مع شعبه وفي وطنه، رغم المخاطر والتهديدات ؟
الدكتور حسام أبو صفية (أبو إلياس)، ابن مخيم جباليا، وُلد عام 1973، وينحدر من بلدة حمامة قضاء عسقلان. حاز درجة الماجستير وشهادة البورد الفلسطيني في طب الأطفال وحديثي الولادة، وتقلد منصب مدير مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة.
مع اشتداد حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، دفع أبو صفية ثمنًا باهظًا بفقدانه ابنه إبراهيم، الذي استشهد في 26 أكتوبر/تشرين الأول، إثر اقتحام الجيش الإسرائيلي المستشفى. ورغم الألم الذي اعتصر قلبه، أصرّ على أداء صلاة الجنازة على ابنه وسط زملائه، متحاملاً على جراحه النفسية والجسدية، في مشهد صاغ أسمى معاني الصبر والثبات، بينما القصف يحيط بالمكان.
وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني، تعرّض الدكتور حسام لإصابة جرّاء قصف استهدف المستشفى، لكنه رفض مغادرته، مصرًّا على متابعة علاج المرضى والجرحى. ورغم حاجته للرعاية الطبية، تنقّل بين المصابين مطمئنًا على أحوالهم، وممارسًا عمله بروح مليئة بالإصرار.
لم يكتفِ الاحتلال بقصف مستشفى كمال عدوان، بل حاصر مستشفى كمال ناصر لعدة أيام، مستهدفًا الطواقم الطبية. لكن الدكتور حسام أصر على البقاء، صانعًا شعورًا بالأمان والثقة بين المرضى والزملاء، متمسكًا برسالته حتى اللحظة الأخيرة. ورغم معرفته بأن الاحتلال لن يتركه دون عقاب، بقي في المستشفى، يقاوم بعلمه وإنسانيته.
الصورة الأخيرة التي انتشرت للدكتور حسام وهو يسير وسط الركام متجهًا نحو قوات الاحتلال التي اعتقلته، اختزلت مأساة غزة وصمودها، لقد واجه الدكتور الاحتلال بكرامة، كما واجهت غزة أعداءها وحدها، شامخة وواثقة حتى الرمق الأخير.
حكاية الدكتور حسام ليست مجرد قصة فردية، بل هي مرآة تعكس نضال شعب كامل، يعيش الألم ويزرع الأمل، في كل موقف سجله، قدم لنا الدكتور حسام درسًا في الصمود والتضحية، ليظل رمزًا خالدًا لكل من يسعى للحرية والكرامة والعزة.

