السكة – محطة المقالات
بعد الضربات الأمريكية المفاجئة على البرنامج النووي الإيراني، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: ما الذي تبقى حقًا من هذا البرنامج؟
هذا السؤال الغامض، الذي تصفه مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب بأنه “المجهول المعلوم”، قد يرسم ملامح المنطقة لعقود قادمة، ويحدد مدى صواب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمخاطرة في صراع جديد في الشرق الأوسط.
ورغم ما يُعلن رسميًا من نجاح العملية، إلا أن هذا الملف بطبيعته المحاطة بالسرية والغموض، يجعل من المستحيل التيقن مما إذا كانت الضربات قد شلّت بالفعل كل مفاصل المشروع النووي الإيراني. فبينما تُركّز الروايات العلنية على مواقع “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”، من غير المعقول أن تكون إيران قد وضعت كامل أسرارها النووية تحت أنظار مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي مواقع تعرف واشنطن وتل أبيب منذ سنوات أنها هدف محتمل للهجمات الجوية.
يكفي 20 كيلوغرامًا فقط من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع سلاح نووي واحد. ويمكن إخفاء هذه الكمية بسهولة داخل شاحنة صغيرة في أي مكان بإيران. بل إن التقنية اللازمة لصنع القنبلة تعتمد على المعرفة البشرية أكثر من المعدات، وهو ما جعل إسرائيل تركز طوال السنوات العشر الماضية – وبكثافة في الأيام العشرة الأخيرة – على اغتيال العلماء النوويين والضباط العسكريين الإيرانيين.
ومع ذلك، فإن خطر “المجهول” لا يزال قائمًا. فإسرائيل إذا أصرت على أن البرنامج الإيراني سري ومتقدم، فهي تعترف ضمنيًا بأنها قد لا تعرف كل شيء. أيمكن أن تكون إيران قد أنجزت الجزء الحاسم من برنامجها في مكان آخر؟ أيمكن أن يكون سلاحها النووي قد اكتمل بالفعل في موقع لم يُكتشف؟
الوقت وحده سيكشف الحقيقة.
لكن ثمة مؤشرات معاكسة أيضًا؛ فإسرائيل أثبتت قدرة استخباراتية مذهلة حين تمكنت من ضرب قادة البرنامج النووي في بيوتهم، مستهدفة غرفًا محددة داخل مبانٍ سكنية، كما حدث في غارات 13 يونيو. هذه القدرة تشير إلى اختراق واسع لبنية القيادة الإيرانية، وقدرة على ضرب أسرارها الأشد حراسة.
وفي الأيام المقبلة، مع اتضاح الصور الجوية ونتائج تقييم الأضرار، قد يظهر أن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا مواقع لم تكن معروفة حتى للخبراء الغربيين قبل أسبوع فقط. وهو أمر سيعطي الأمل لخصوم إيران النوويين – باستثناء المتشددين الإيرانيين الذين يقفون وحدهم مدافعين عن استمرار البرنامج.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تكون الضربات قد قضت على كل العلماء، وكل المواد الانشطارية، وكل عناصر المشروع. الآن يبدأ السباق لتعقب ما تبقى: الخبراء الناجون، المواد المخبأة، وربما شبكة منشآت غير معروفة.
إيران أمام اختبار صعب
المرشد الأعلى علي خامنئي يجد نفسه في لحظة حرجة: سماء إيران أصبحت تحت سيطرة طيران معادٍ، برنامجها النووي تعرض لأضرار هائلة، بنيتها العسكرية والاستخباراتية تلقت ضربات متلاحقة، وأدوات الرد المباشر تبدو محدودة للغاية. أي هجوم صاروخي مباشر على القواعد الأمريكية سيجلب ردة فعل أمريكية ساحقة، وقد أصبح هذا السيناريو مكشوفًا ومحسوبًا.
إيران في مثل هذه الظروف تميل إلى الرد غير المتكافئ: ربما عبر عمليات في العواصم الأوروبية، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز. فهي تحتاج لأن تُظهر القوة، دون أن تُخاطر بفقدان ما تبقى من قدرتها على الصمود.
لكن ميزة إيران الكبرى هي الوقت. فالنظام الإيراني لا يخضع لضغوط الانتخابات أو تبدل المزاج الشعبي كالولايات المتحدة. يمكنه الانتظار، وإعادة البناء بصبر، والرد عندما تخفت حدة الهجوم والمراقبة.
واشنطن بين القوة والغموض
أما الولايات المتحدة، فمع سجلها الطويل من الإخفاقات العسكرية في الشرق الأوسط – من العراق إلى سوريا فأفغانستان – تجد نفسها اليوم وقد أضافت إيران إلى قائمة الدول التي قصفتها في العقدين الأخيرين، دون ضمان لنهاية واضحة.
ومع أن العملية الأخيرة نالت تأييدًا غير مسبوق من الحلفاء، وبدت محكمة من حيث التخطيط والاستخبارات، إلا أن الأوساط الدبلوماسية والعسكرية تحذر من أن الأثمان لم تظهر بعد.
ما بعد الضربة ليس كما قبلها. مستقبل الشرق الأوسط سيُرسم من الآن على وقع هذه المغامرة، وستظل “المجهولات” هي الحاكمة لمشهد السنين القادمة

