السكة – محطة المقالات – كتب محمد رفعت – القاهره
بداية: على هامش الحرب التى تشنها الدولة الصهيونية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات، أولها أن هذه الحرب أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن القانون الدولى والمنظمات الأممية ليست سوى أدوات قامت بابتكارها وصياغتها الدول الاستعمارية، لتكون وسيلة تُستخدم ضد كل من يخالف سياساتها أو ينافس مصالحها أو يسعى إلى الاستقلال عنها، فجميع قرارات هذه المنظمات ما هى إلا انعكاس مباشر لتوجهات ومصالح الدول الكبرى، التى تقف خلفها وتوجّهها الحركة الصهيونية العالمية، المسيطرة على النظام الدولى بأكمله، ويؤكد ذلك الدعم المطلق الذى تحظى به دولة الاحتلال من القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية.
* تعكس هذه الحرب طبيعة المرحلة التاريخية التى يمر بها العالم اليوم، وتكشف عن حقائق راسخة على أرض الواقع، أبرزها أن الكيان الصهيونى ليس سوى رأس حربة استحدثته القوى الاستعمارية، التى كانت تُعرف فى الماضى بالدول الصليبية، والتى سعت عبر التاريخ إلى فرض سيطرتها على منطقتنا العربية والشرق الأوسط عمومًا.
وقد اتخذت هذه القوى من دول المنطقة عدوًا يجب إخضاعه بالكامل لإرادتها، وكل محاولة من أى دولة للسعى نحو الاستقلال، أو النهوض بشعبها ووطنها، تواجهها دولة الاحتلال بالعداء والمواجهة. ويُعد عدوان عام 1967 دليلًا صارخًا على ذلك، حيث كان الهدف المباشر منه هو وقف مسيرة التنمية والنهضة الصناعية التى كانت تشهدها مصر آنذاك.
* أكدت الحرب الدائرة أن تكالب الأمم على الدول المستقلة لا يمكنه أن يهزم إرادة الشعوب، فهذه الإرادة تظل أقوى من أى قوة مهما بلغت، ولا بديل عن امتلاك عناصر القوة الحقيقية بعقول وسواعد أبناء الوطن، مع الحفاظ عليها وتنميتها، مهما كانت التكاليف أو طال الزمن، فسوف يأتى اليوم الذى تظهر فيه هذه القوة كعنصر حاسم فى حماية الوطن وصون حقوق شعبه، ويكفى للدلالة على ذلك أن بداية هذه الحرب جاءت باستهداف علماء إيران، على غرار ما حدث من قبل مع قائمة طويلة من العلماء العرب والمصريين، فى مقدمتهم الدكتور على مشرفة، والدكتورة سميرة موسى، والمهندس يحيى المشد، والعالم سعيد السيد بدير، وغيرهم من الرموز العلمية الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لتفوقهم العلمى.
* أكدت الحرب أنه بالرغم من الدعم الأمريكى- الأوروبى المطلق لدولة العدو إلا إنها لن تكون فى أمان، طالما بقيت تدنس الأرض العربية، وأنه مهما كان حجم الدعم العسكرى والسياسى لن تأمن على نفسها إلا بعد عودة الحقوق العربية «الصواريخ الإيرانية تدك مدن ومصالح اقتصادية ومواقع عسكرية وتكنولوجية مهمة فى قلب دولة الاحتلال».
* إن تماسك الجبهات الداخلية للدول هو مفتاح الانتصار، وعليها تسقط الرهانات الخاطئة لدولة الاحتلال الصهوينى «من قبل راهنت دولة الاحتلال على إسقاط الزعيم جمال عبدالناصر عقب هزيمة يونيو وخسروا الرهان بتماسك الشعب ووعيه، وبإصراره على تحويل الهزيمة إلى انتصار، وها هم يخسرون رهانهم على إسقاط دولة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية».
* السلاح الأقوى دائمًا لدولة الاحتلال هم الجواسيس، بهم تحصل على انتصارات سريعة وسهلة، ولكنها انتصارات وهمية سرعان ما تتلاشى آثارها، وتبقى المواجهة العسكرية المباشرة هى الفيصل والحكم على قوة الدولة أو ضعفها «حققت دولة الاحتلال انتصارات وشعرت بالنشوة فى الساعات الأولى للحرب على إيران، وسرعان ما شعرت بالصدمة من قوة ودقة صواريخها».
* اعتادت دولة الاحتلال الصهيونى على إخفاء خسائرها حفاظًا على معنويات شعبها الذى لا يشعر بالانتماء الوطنى، عكس أى شعب فى العالم يعرف ويدرك قيمة وطنه، فهم يعرفون أنهم مجرد نفايات تم تجميعها من دول العالم عاشت فى شتات وجاءت لتحتمى وتعيش فى وطن ليس وطنهم، وقد بدأت الهجرات العكسية من الأراضى المحتلة للخارج بكل وسائل الهروب المتاحة «فرضت دولة الاحتلال الرقابة العسكرية على المواقع التى يتم قصفها، واعتقلت مواطنين وثقوا لحظات سقوط الصواريخ الإيرانية، كما أخفت لأكثر من 30 عامًا خسائرها من ضربات الصواريخ العراقية التى أطلقها الرئيس صدام حسين، كما أخفت خسائرها من آثار ضربات حزب الله الموجعة».
* تراهن دولة الاحتلال على الضغط على الجبهات الداخلية بتعمد إزاء المدنيين، فى محاولة لإخضاع الدول، وها هى للمرة الألف التى تخسر فيها هذا الرهان، كما سبق وخسرته عندما اعتدت على مدرسة بحر البقر ومصانع أبى زعبل ونجع حمادى كمحاولة لوقف حرب الاستنزاف التى دفعت فيها الغالى والثمين من قوة ضربات الجيش المصرى، فكان الرد بالمثل مع كل ضربة غدر صهيونية، و«يسأل عن ذلك قادتهم وسجلاتهم العسكرية التى ما زالت تخفى أسرار حرب الاستنزاف عن الشعب الصهيونى».
* مهما بلغ ذكاء دولة الاحتلال، فقد تفوّق عليه الذكاء المصرى، فقبل 55 عامًا، نجحت القوات المسلحة المصرية فى تشييد حائط الصواريخ تحت أعين الأقمار الصناعية الأمريكية، وفى ظل قصف متواصل من مدفعية وطيران العدو. وبحيلة بارعة، باستخدام هياكل خشبية لصواريخ «سام 6» بهدف خداع العدو وعملائه على الأرض، واستنزافه عبر ضربات وهمية، ولم تقتصر العبقرية العسكرية المصرية على ذلك، بل كانت حرب أكتوبر أول حرب تُستخدم فيها الحرب الإلكترونية بشكل فعّال، وهو ما شكّل مفاجأة كاملة لدولة الاحتلال، التى لم تتوقع هذا النوع المتقدّم من التكتيك العسكرى.
* الرهان الأخير الذى تعتمد عليه دولة الاحتلال هو «رهان الوعى»، حيث توظف ما تملكه من أدوات خداع وتزييف للتاريخ، وتستخدم وسائل إعلامية ودينية لتبرير أفعالها، وصناعة الأكاذيب والأساطير ذات الطابع الدينى، فى محاولة لخلق صورة مزيفة للواقع. وهو ما يفرض علينا الحذر والانتباه لكل ما يُقال ويُردد على ألسنة بعض الجماعات الدينية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، التى تمثل الطابور الخامس الجاهز للقيام بالدور الأخطر عند اندلاع أى مواجهة مع الكيان الصهيونى، انطلاقًا من قناعاتهم الفكرية القائمة على مفهوم «أممية الدولة الإسلامية»، وإنكار قيمة الوطن باعتباره مجرد «حفنة تراب»، فضلًا عن تبريرهم للتقارب مع اليهود باعتبارهم «أهل كتاب»، فى خلط متعمد بين الصهيونية كحركة استعمارية واليهودية كديانة. ويعكس ذلك التصور ما سبق أن صرّح به القيادى الإخوانى عصام العريان، حين دعا إلى عودة اليهود إلى مصر، ويتكرر هذا الخطاب حاليًا على ألسنة أتباع أحمد الشرع، حاكم الأمر الواقع فى سوريا، الذين يتباهون برفع الأعلام الصهيونية إلى جانب العلم السورى. حمى الله مصر، ونصر شعبها، وسدّد خطى قادتها.

