السكة – المحطة الدولية
منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، قام أكثر من 70 مسؤولاً رفيع المستوى — من رؤساء دول إلى وزراء خارجية — بزيارة كييف.
قد لا يبدو ذلك مؤثراً للوهلة الأولى، لكن لمثل هذه الزيارات قيمة رمزية وعملية. فهي تعبر عن التضامن مع ضحايا الحرب، وتمنح القادة فرصة لاختبار افتراضاتهم السياسية على أرض الواقع.
ومع ذلك، وبينما يناقش قادة الاتحاد الأوروبي ما إذا كان سلوك إسرائيل في غزة ينتهك اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل — التي تنظم العلاقات التجارية بين الطرفين — لم يقم أي وزير خارجية أوروبي بزيارة غزة لتقييم الكارثة الإنسانية بشكل مباشر.
هذا الغياب ليس مجرد تقصير مخزٍ، بل هو فرصة ضائعة لاستخدام نفوذ أوروبا.
الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، إذ يستحوذ على ثلث تجارتها الخارجية، بينما تمثل إسرائيل أقل من 1٪ من تجارة الاتحاد العالمية. ومع اتساع دائرة الدول الأوروبية التي ترى أن الحرب الإسرائيلية تنتهك بنود الاتفاقية، باتت هذه الشراكة موضع مساءلة.
وفي مواجهة ذلك، سارعت إسرائيل إلى التعهد بخطوات تهدف — نظرياً — إلى تحسين دخول المساعدات الإنسانية لغزة: زيادة عدد الشاحنات والمعابر، تأمين العاملين الإنسانيين، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية.
لكن على أرض الواقع، بقيت الأوضاع على حالها تقريباً: إسرائيل ما زالت تمنع معظم المساعدات، فيما يتسارع شبح المجاعة، والأطفال يموتون من سوء التغذية، والأمم المتحدة تحذر من أن غزة تدخل في “سيناريو المجاعة الأسوأ”.
إذا لم يراقب الاتحاد الأوروبي هذه الالتزامات ويضمن تنفيذها، فلن تكون سوى وعود فارغة.
لقد كان تضامن أوروبا مع إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 — الذي شهد إطلاق آلاف الصواريخ، ومقتل نحو 1,200 شخص، وأسر أكثر من 250 — رد فعل صادقاً ومفهوماً أمام وحشية حماس.
لكن هذا التضامن، بدلاً من أن يكون مبرراً أخلاقياً، يتحول الآن إلى تواطؤ في جرائم إسرائيل.
الحملة العسكرية الإسرائيلية دمرت غزة: أكثر من 60 ألف قتيل، عشرات آلاف الجرحى والأيتام، وملايين يواجهون خطر الجوع. البنية التحتية انهارت، المدارس والمنازل والمستشفيات سويت بالأرض، والمساعدات تدخل بشكل متقطع، بينما يعيش أكثر من نصف مليون إنسان ظروف مجاعة فعلية.
منذ إعلان مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس عن الاتفاق الجديد، لم يطرأ أي تحول ملموس. بل على العكس، وفيات الأطفال بسبب الجوع تتزايد، بينما تواصل إسرائيل منع الغذاء والماء عن السكان.
الأمم المتحدة أكدت هذا الأسبوع أن الجيش الإسرائيلي قتل منذ مايو/أيار الماضي ما يقارب 1,400 فلسطيني أثناء محاولتهم الحصول على الطعام. كما وثقت وفاة نحو 200 شخص جوعاً، بينهم 96 طفلاً. الأطباء يتحدثون عن أناس ينهارون في الشوارع بسبب الجوع والعطش، بينما يكافحون هم أنفسهم لإطعام أسرهم.
الاتفاق مع إسرائيل لا يمكن أن يكون شيكاً على بياض للإفلات من العقاب. على قادة أوروبا أن يطالبوا بالمساءلة والرقابة والتحقق من احترام إسرائيل للحد الأدنى من الالتزامات الإنسانية.
خطوة بسيطة لتحقيق ذلك تكمن في السماح لمسؤولين كبار — مثل كالاس — بدخول غزة ورؤية الأوضاع بأنفسهم. إذا كان بإمكان إسرائيل تسهيل زيارة مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، كما فعلت مؤخراً، فبإمكانها أن تفعل الشيء ذاته مع الأوروبيين.
مصداقية أوروبا وسلطتها الأخلاقية — فضلاً عن مصير سكان غزة بالكامل — على المحك.
لطالما تحدثت أوروبا عن حل الدولتين، وعن حفظ فرص السلام ومنع الفظائع. لكن هذه الطموحات يجب أن تُترجم إلى أفعال.
هناك إشارات أولية: ففي يوليو/تموز كتبت كالاس أن “قتل المدنيين الباحثين عن المساعدة في غزة أمر لا يمكن تبريره… جميع الخيارات مطروحة إذا لم تلتزم إسرائيل بتعهداتها”. وبعدها بأسابيع، حذرت بريطانيا وفرنسا وكندا من اتخاذ “إجراءات ملموسة إضافية” إن لم توقف إسرائيل هجومها وترفع القيود عن المساعدات. حتى المستشار الألماني فريدريش ميرتس أقر منذ مايو بأن “أفعال إسرائيل في غزة لم يعد من الممكن تبريرها بمكافحة حماس”.
لكن الأقوال وحدها لا توقف القنابل.
لقد حان الوقت كي يشاهد القادة الغربيون هذه المأساة مباشرة: أن يستمعوا إلى الأطباء والعاملين الإنسانيين والمدنيين الفلسطينيين، وينقلوا شهاداتهم إلى برلماناتهم وشعوبهم. ليروا بأعينهم ما إذا كانت إسرائيل تحترم التزاماتها.
أوروبا تملك النفوذ — وحان الوقت لاستخدامه

