السكة – المحطة الفلسطينية
في وقت أصبحت فيه المسجد الأقصى مقسماً فعلياً بين المسلمين واليهود، يخشى الفلسطينيون أن تكون الخطوة التالية لإسرائيل هي تحويله إلى ما طالما حذّروا منه: الهيكل اليهودي الثالث.
اقتحامات غير مسبوقة
قبل أسابيع قليلة، شهد الأقصى مشاهد غير مألوفة: مستوطنون يرفعون الأعلام الإسرائيلية، جماعات تؤدي صلوات يهودية جماعية بصوت مرتفع، رقص وغناء، ورجال يسجدون ووجوههم إلى الأرض داخل باحات المسجد.
يقول الفلسطينيون إن ما كان مستحيلاً قبل سنوات أصبح واقعاً بعد 7 أكتوبر 2023، الذي شكّل نقطة تحوّل كبرى.
أعواني بزبز، مدير الشؤون الدولية في دائرة الأوقاف الإسلامية، صرّح لـ ميدل إيست آي أن ما يجري يمثل “مرحلة مفصلية تهدف إلى فرض السيادة اليهودية بالقوة على المسجد الأقصى وتقسيمه مكانياً بين المسلمين والمستوطنين”.
تآكل “الوضع القائم”
منذ أواخر العهد العثماني، وُضع ما يُعرف بـ”الوضع القائم” الذي ينص على أن الأقصى بكامل مساحته (144 ألف متر مربع) تحت إدارة الأوقاف الإسلامية، مع السماح لغير المسلمين بالزيارة فقط دون الصلاة. وقد اعترفت إسرائيل رسمياً بوصاية الأردن على الأقصى بموجب اتفاقية السلام عام 1994.
لكن منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، بدأت إسرائيل تدريجياً بتقويض هذه القواعد: فرض قيود على دخول الفلسطينيين، تقليص سلطة الأوقاف، والسماح لمجموعات المستوطنين والناشطين المعروفين بـ”جماعات الهيكل” باقتحام المسجد تحت حماية مشددة.
التحول الأكبر جاء مع اقتحام أريئيل شارون للأقصى عام 2000، ما أشعل الانتفاضة الثانية. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت الانتهاكات: اقتحامات يومية، حفريات أسفل المسجد، وتوسيع الوجود اليهودي داخله.
“واقع جديد” يفرض بالقوة
على مدار العقدين الماضيين، ارتفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات من 5 آلاف مستوطن عام 2009 إلى أكثر من 57 ألفاً عام 2024، مع هدف معلن من جماعات “الهيكل” للوصول إلى 100 ألف مشارك سنوياً.
لم تعد الاقتحامات مجرد زيارات صامتة، بل تحولت إلى صلوات علنية، تلاوة التوراة، الغناء والرقص، ورفع الأعلام الإسرائيلية.
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تبنى سياسة جديدة عام 2024 تسمح علناً بأداء الصلوات اليهودية داخل الأقصى. ومنذ ذلك الحين، يقود بنفسه اقتحامات واسعة تضم مئات المستوطنين.
تقويض سلطة الأوقاف
يؤكد مسؤول رفيع في الأوقاف أن سلطتهم باتت شكلية فقط:
“لا نملك أي صلاحيات داخل الأقصى. حتى إصلاح أنبوب ماء أو استبدال سجادة يحتاج لموافقة إسرائيلية قد لا تأتي أبداً.”
ويشير إلى أن إسرائيل منعت إدخال سجاد جديد مموّل من الملك الأردني عبدالله الثاني رغم استيفائه جميع الشروط.
هذه الإجراءات، وفق الفلسطينيين، تهدف إلى إلغاء الوصاية الأردنية وتجريد الأوقاف من أي دور فعلي، بحيث يصبح المسجد تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل.
نحو التقسيم المكاني؟
مع ترسخ “التقسيم الزمني” (أوقات مخصصة للمسلمين وأخرى للمستوطنين)، يخشى الفلسطينيون أن الخطوة القادمة ستكون التقسيم المكاني، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي بالخليل.
في 2023، اقترح النائب الليكودي أميت هاليفي خطة لتقسيم الأقصى، تمنح المسلمين 30٪ فقط من جنوبه، بينما يُخصّص الباقي لليهود. لاحقاً، أبدى بن غفير تأييده لإقامة كنيس يهودي داخل المسجد.
وزراء بارزون مثل بتسلئيل سموتريتش وييتسحاق فاسرلوف صرّحوا علناً بدعمهم لإعادة بناء “الهيكل” في مكان الأقصى.
“مشروع تهويد شامل”
يقول مسؤول في الأوقاف:
“ما يحدث في الأقصى ليس انتهاكات عابرة، بل مشروع تهويد شامل يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد. على الفلسطينيين والعالم الإسلامي إدراك خطورة التحدي قبل أن يصبح الواقع المفروض أمراً لا رجعة فيه.

