السكة – المحطة الفلسطينية
في الوقت الذي يجاهر فيه قادة إسرائيل بمشروع “إسرائيل الكبرى”، يخوض المدافعون عنها حربًا دعائية، يسعون من خلالها إلى قلب الحقائق: تصوير الفلسطينيين على أنهم “المستعمرون”، ومحو الجذور الاستعمارية للصهيونية، وتغليف مشروع الاحتلال بخرافات “العودة” و”الأصالة”.
ففي مطلع الشهر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة لقناة i24 News أنه في “مهمة تاريخية وروحية” للسيطرة على مزيد من الأراضي.
هذه الرؤية التوسعية القصوى تبني على ما تحقق من ضمّ واستيطان في القدس الشرقية، والجولان، والضفة الغربية، والآن في غزة مجددًا، حيث تأمل حكومته في إعادة فرض السيطرة.
الهدف النهائي هو توسعة المستوطنات اليهودية لتشمل كل فلسطين التاريخية، بزعم أنها كانت يومًا “الوطن الحصري للعبرانيين القدماء” والموعودة “للشعب المختار”، بل ويمتد الطموح إلى أجزاء من دول عربية مجاورة كالأردن ومصر وسوريا ولبنان.
صور الجنود الإسرائيليين وقد خيطت على زيهم خرائط “إسرائيل الكبرى” الجديدة انتشرت على الإنترنت، فيما تسابق الحكومة الزمن لتكريس سيادتها على الأرض عبر مشاريع استيطانية مثل الاستيلاء على غزة ومخطط E1 في الضفة الغربية الذي يهدف إلى قطع الطريق على قيام دولة فلسطينية نهائيًا.
لكن، بينما تمضي إسرائيل في توسعها العنيف متذرعة بـ”الدفاع عن النفس”، يسعى أنصارها إلى إنكار جذورها الاستعمارية الاستيطانية، عبر خطاب جديد يصف اليهود بأنهم “السكان الأصليون” الذين عادوا لاسترداد أرضهم القديمة من “المستعمرين” الفلسطينيين.
خرافة “العودة”

الحركة الصهيونية نفسها لم تتردد في بداياتها في وصف مشروعها بالاستعمار، فأسست مؤسسات مثل “صندوق الاستعمار اليهودي” و**“جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين”**. لكنها منذ ثلاثينيات القرن الماضي بدأت تتجنب المصطلح، بينما واصلت النهج الاستيطاني ذاته.
اليوم، يكرر أنصارها أسطورة أن ما جرى لم يكن استعمارًا أوروبيًا بل “عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي”. لكن هذا يتطابق مع ذرائع استعمارية أوروبية قديمة: الفرنسيون زعموا “العودة” إلى أمجاد روما عندما غزوا الجزائر، والإيطاليون ادعوا أنهم “عادوا” إلى ليبيا الرومانية، وحتى النازيون تحدثوا عن “عودة” الألمان إلى أراضي السلاف في الشرق.
خرافة “منح دولة أخرى”
يدّعي المدافعون عن إسرائيل أن الاستعمار الاستيطاني لا يتوافق مع السماح بإنشاء دولة لشعب آخر إلى جانب المستوطنين. غير أن التجربة الجنوب أفريقية تنسف هذا الزعم؛ فالنظام الأبيض أنشأ “بنتوستانات” شكلية كـ”دول مستقلة” للسكان الأصليين بينما أبقى على تفوقه العنصري. إسرائيل فعلت الأمر نفسه حين روجت لفكرة “الحكم الذاتي” الفلسطيني ضمن جزر معزولة، مع الإبقاء على سيطرتها الكاملة.
أسطورة الأصالة
الصهيونية تبني خطابها على فكرة “الأصالة” المستمدة من الكتاب المقدس، وعلى محاولات حديثة لربط اليهود وراثيًا بالعبرانيين القدماء. غير أن هذه الحجة واهية:
- العبرانيون أنفسهم لم يكونوا وحدهم في فلسطين، بل كانوا جزءًا من فسيفساء سكانية تشمل الكنعانيين وغيرهم.
- حتى وفقًا للتوراة، جاء إبراهيم من “أور” في العراق، ولم يكن فلسطيني الأصل.
- ادعاء أن اليهود المعاصرين هم حصريًا أحفاد العبرانيين القدماء هو بناء لاهوتي أوروبي – مسيحي أكثر منه حقيقة تاريخية.
الادعاء بوجود “صلة تاريخية” لا يمنح حقًا في استعمار أرض الغير. فكما أن الأميركيين البيض لا يملكون حق “العودة” لاستعمار أوروبا لمجرد أن أصولهم منها، لا يبرر أي “ارتباط تاريخي” لليهود الأوروبيين استعمار فلسطين.
استعمار مدعوم أوروبيًا
بريطانيا رعت المشروع الصهيوني كما رعت مشاريع استيطانية مشابهة في أيرلندا، وجنوب أفريقيا، وأمريكا الشمالية. الزعم بأن “إسرائيل حالة استثنائية” محض وهم؛ هي مجرد نسخة مكثفة من استعمار أوروبي مألوف.
الصهيونية لم تطرح حجة واحدة تميزها عن غيرها من المشاريع الاستعمارية الأوروبية: خرافة العودة، وهم الأصالة، أساطير الوعد الإلهي. كلها سرديات استعمارية أعيد تدويرها.
وما يجري اليوم تحت شعار “إسرائيل الكبرى” ليس خروجًا عن هذا التاريخ، بل ذروته: الوجه الأكثر صراحة لمشروع استيطاني استعماري يواصل التوسع، مغطى بخطاب ميثولوجي ديني وسياسي

