السبت, أغسطس 22, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةوداعًا لـ”الحرب على الإرهاب”، أهلًا بالحرب على السيادة العربية

وداعًا لـ”الحرب على الإرهاب”، أهلًا بالحرب على السيادة العربية

السكة – محطة المقالات – ترجمات

لقد تخلّت واشنطن عن استراتيجيتها الممتدة لعقود، والقائمة على موازنة القوى المتنافسة في غرب آسيا، لتتجه بدلًا من ذلك إلى زعزعة استقرار المنطقة عبر دعمها العسكري والدبلوماسي والاستخباري الشامل للكيان الصهيوني.

ففي حين اتّسمت سنوات ما بعد 11 سبتمبر بحروب تغيير الأنظمة و”إعادة بناء الدول”، فإن الاستراتيجية الحالية تقوم على “كسر الدول” وتفكيك أنظمة الحكم.

هيمنة إسرائيلية بدعم أميركي

هذا التحوّل تجسّد بوضوح في جرأة إسرائيل المتزايدة. إذ أعلن المسؤول في إدارة ترامب، آموس هوكستين، أن تل أبيب باتت “القوة العسكرية المهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط”. وفي غضون أيام فقط، قصفت إسرائيل غزة ولبنان وسوريا واليمن، وللمرة الأولى، قطر الحليفة لواشنطن.

لكن وصف إسرائيل بالهيمنة الإقليمية يخفي اعتمادها الكلي على البنية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية الغربية. فالدولة المهيمنة حقًا تسقط قوتها بشكل مستقل، بينما تبقى إسرائيل مجرّد امتداد مسلح للسياسة الغربية، كما ظهر خلال حربها التي استمرت 12 يومًا ضد إيران.

وخلال تلك الحرب، استنزفت إسرائيل مخزونًا ضخمًا من الصواريخ الاعتراضية الأميركية، التي كانت مخصّصة أساسًا للدفاع عن تايوان في مواجهة محتملة مع الصين.

إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، كما الحال في إدارة بايدن، كرّست إسرائيل كأداة في سياسة “تفتيت المنطقة”. وقد وصف المستشار الألماني ميرتس ذلك صراحةً بأن تل أبيب تقوم بـ”الأعمال القذرة” بالنيابة عن الغرب.

حتى الدول العربية القوية باتت تُنظر إليها في واشنطن كعائق أو تهديد محتمل لإسرائيل. إذ اعترف المبعوث الأميركي وصديق ترامب المقرّب، توم باراك، بأن وجود أنظمة حكم عربية قوية عُدّ “خطرًا على إسرائيل”.

ضربة الدوحة: سابقة خطيرة

القصف الإسرائيلي الذي استهدف وفدًا من حماس في الدوحة، في 9 سبتمبر/ أيلول، شكّل نقطة تحوّل. فقد جرى استهداف الوفد بينما كان منخرطًا في مباحثات لوقف إطلاق النار. وأدّت الضربة إلى مقتل نجل القيادي خليل الحية وأربعة آخرين من كوادر الحركة، إضافة إلى عنصر من الأمن القطري، فيما نجا الحية نفسه وعدد من القيادات البارزة.

الهجوم مثّل انتهاكًا صارخًا لسيادة حليف وثيق لواشنطن، وأحدث صدمة في أوساط الدبلوماسية الإقليمية. فرغم إعلان الرئيس ترامب أنه “غاضب جدًا” من الضربة، كشفت تقارير عبرية أن الولايات المتحدة أُبلغت مسبقًا بالعملية بل وأجازتها. مسؤولون أميركيون قالوا إن الدوحة تلقت “تحذيرًا متأخرًا”، بينما أكّدت الخارجية القطرية أن الاتصال جاء بعد بدء القصف، ووصفت الضربة بأنها “عمل إرهابي”.

وفي حين حاول ترامب طمأنة قطر بأن “الأمر لن يتكرر”، صرّح السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل لايتر، بأن بلاده قد تهاجم مجددًا “لإكمال المهمة”.

الهجوم فجّر موجة إدانات من السعودية والإمارات ومصر وتركيا ودول أوروبية، فيما وصف الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، العملية بأنها “جبانة ودنيئة”، وأكد وقوف المجلس إلى جانب قطر. أما الأمم المتحدة فاعتبرتها انتهاكًا فاضحًا للسيادة.

من الاستقرار إلى التفتيت

يظهر بوضوح أن الاستراتيجية الأميركية انتقلت من إدارة الصراعات إلى سياسة التفكيك. فلبنان وسوريا يقدمان نموذجًا نهائيًا لهذه المقاربة: مساحات شبه منهارة، سيادة منقوصة، وأزمات داخلية متواصلة، مع قصف إسرائيلي متكرر يفرض معادلات الخضوع.

لم يعد الهدف الأميركي تحقيق “نصر حاسم”، بل إبقاء الدول في حالة شلل دائم، عبر ضرب قدراتها على الحكم والأمن والدبلوماسية. في مرحلة “الحرب على الإرهاب”، كان الهدف إقامة أنظمة موالية. اليوم، المطلوب هو منع أي نظام معادٍ – أو حتى محايد – من التماسك أصلًا.

ما بعد “طوفان الأقصى”

عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سرّعت هذا التحول. إذ تخلّت واشنطن حتى عن الادّعاء بالسعي إلى تسويات سياسية، واندفعت لتغدق السلاح والمعلومات والحماية الدبلوماسية على إسرائيل، في مسعى لتمكينها من تدمير غزة بالكامل، وإضعاف أي بنية حكم فلسطينية.

الأوروبيون تبعوا النهج ذاته. فرنسا، مثلًا، واصلت التظاهر بدعم “الدولة الفلسطينية”، لكنها في الوقت ذاته ضاعفت صادراتها العسكرية إلى إسرائيل. الخطاب العلني بات منفصلًا تمامًا عن الواقع العملي.

التوسّع الاستعماري والاستراتيجية الغربية

على مدى عقود، سعت إيران عبر شبكة من الحلفاء إلى تطويق إسرائيل وخلق “ردع متبادل”. لكن الغرب والعواصم العربية المتحالفة معه قدّموا هذا على أنه “تهديد للاستقرار”، بينما صُوّر العدوان الإسرائيلي كـ”دفاعي”.

غير أن الوقائع تكشف أن المشروع الغربي في المنطقة ما زال استعماريًا وتوسعيًا. فشعار “إسرائيل الكبرى”، الذي كان يُعتبر يومًا خطابًا متطرفًا، أصبح اليوم يُترجم عمليًا في السياسات، وبموافقة ضمنية من العواصم الغربية.

الخلاصة

لم تعد واشنطن تسعى لبناء أنظمة جديدة، بل تعمل على تحطيم القائم منها خدمةً لمصالح إسرائيل. الاستقرار لم يعد مقبولًا إلا إذا كان في إطار السيطرة الغربية. أما الدول التي لا تنسجم مع هذه المنظومة، فمصيرها التفتت والانهيار، كما الحال في سوريا.

غرب آسيا يشكّل ساحة التجريب لهذه الاستراتيجية، لكن من المرجّح أن يتوسع منطق “التفكيك” ليطال مناطق أخرى من العالم

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا