السكة – محطة المقالات – بقلم ثامر سباعنة
يُعدّ الاعتقال السياسي والاعتقال الإداري جزءاً مركزياً من منظومة السيطرة التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين. لم يعد السجن مجرد وسيلة قانونية لملاحقة مرتكبي جرائم؛ بل تطوّر إلى أداة عقابية وانتقامية تُستخدم لكسر المقاومة المجتمعية، وترهيب العائلات، وتحويل الحياة اليومية إلى حالة مستمرة من الخوف والاضطراب.
الاعتقال كعقوبة وانتقام
تعتمد سياسات الاعتقال أحياناً على معايير غير قضائية: اعتقالات مداهمة ليلية، إبعاد عن الأسرة، احتجاز بدون لائحة اتهام لفترات مطولة، وتصعيد إجراءات قاسية ضد ناشطين سياسيين وصحافيين وأكاديميين. الهدف الظاهر هو الأمن، أما الهدف الفعلي في كثير من الحالات —كما توضح تقارير حقوقية متكررة— فهو إرغام مجتمعات بأكملها على دفع ثمن نشاط سياسي أو مقاوم. هذا الاستخدام الانتقامي يضرب الأسس القانونية ويمس بمبدأ فصل السلطات وحقوق الدفاع.
ارتفاع أعداد الشهداء الأسرى في السجون
سجلت السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل بوفاة أسرى داخل المعتقلات —بما في ذلك حالات تشير إلى تقصير طبي أو إهمال متعمّد— ما دفع مناصرين حقوق الإنسان لإطلاق تحذيرات بشأن سلامة الأسرى وواجبات سلطات الاحتجاز بحمايتهم. وفي ظل تقييد الوصول الطبي وعمليات التحقيق والإضرابات المتكررة داخل السجون، تصاعدت المخاوف من أن تتحول السجون إلى محطات إعدام تدريجي بسبب الإهمال المتعمد.
تزايد أعداد الأسيرات
شهدت نسبة اعتقال النساء والفتيات تزايداً ملحوظاً، وباتت تجارب الاعتقال تختلف لدى النساء إذ تتعرض بعض الأسيرات لعزلة طويلة، وإهمال صحي، وقيود على الزيارات الأسرية، إضافةً إلى مضايقات نفسية وجسدية خاصة بجندرهن. تأثير ذلك يمتد إلى العائلات خصوصاً عندما تكون المرأة المعيلة أو أمّاً لأطفال صغار.
تصاعد الاعتماد على الاعتقال الإداري
الاعتقال الإداري —الاحتجاز دون توجيه تهم محددة أو محاكمة— بات أداة قانونية مستخدمة على نطاق واسع. يتيح هذا الإجراء للجهات الأمنية الاحتفاظ بالأفراد لمدد متجددة استناداً إلى “معلومات سرية” بدون ضمانات دفاعية كافية. هذا النمط يقوّض معايير المحاكمة العادلة ويطيل معاناة المحتجزين وعوائلهم.
سياسة التجويع كأداة ضد الأسرى
تتخذ سياسات متباينة من “التجويع” أشكالاً متعددة: تقييد الزيارات، تقليص الحصص الغذائية أو جودة الطعام، تقييد الأدوية والرعاية الصحية، وفرض قيود على المواد الأساسية. تُستخدم هذه الأساليب للضغط النفسي والجسدي على الأسرى لردع الاحتجاجات داخل السجن أو كعقوبة جماعية. التجويع يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان ومخالفاً للقواعد الإنسانية الأساسية لسلامة المحتجزين.
أسلحة متنوعة تُستخدم ضد الأسرى
بعيداً عن السلاح الناري، هناك “أسلحة” مؤسسية متعددة: العزل الانفرادي الطويل، التعذيب أو المعاملة القاسية، الإهمال الطبي، النقل التعسفي بين سجون بعيدة لعزل السجناء عن شبكات الدعم، والقيود على التعليم والتواصل. تُضاف لذلك سياسات أمنية داخلية تزيد من عنف الحراس وتمنح تغطية لتعسفات غير قانونية.
الأطار القانوني والإنساني
حتى ضمن منطق القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان، تقع سلطات الاحتلال على عاتقها مسؤوليات واضحة: منع التعذيب، ضمان الرعاية الصحية، احترام حقوق المحاكمة، وحماية المحتجزين من المعاملة المهينة. انتهاك هذه الالتزامات يفتح الباب أمام مساءلة قانونية وسياسية، ويفرغ أي ادعاءات بشرعية أو احترام للقانون.
خاتمة ومقترحات
ارتفاع أعداد الشهداء الأسرى، تصاعد الاعتقالات الإدارية، واتساع دائرة الأسيرات، إلى جانب سياسات التجويع واستخدام أدوات قمع متعددة، يشكلون جرس إنذار أخلاقي وقانوني. المطلوب الآن:
1.توثيق منهجي للحالات (طبية، قانونية، شهادات)،
2.الضغط الدولي والقانوني لمحاسبة الانتهاكات،
3.دعم حقوق الأسرى عبر مؤسسات حقوق الإنسان والمحامين،
4.رفع وعي المجتمع المحلي والدولي بخطورة سياسات الاعتقال كأداة عقابية وانتقامية.

