الأربعاء, أغسطس 19, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةالأسطورة التوراتية الإسرائيلية تدفن الضفة الغربية حيّة

الأسطورة التوراتية الإسرائيلية تدفن الضفة الغربية حيّة

السكة – محطة المقالات

مع دعم غربي كامل، تمضي تل أبيب في تكريس نظام فصل عنصري قائم على دولة واحدة، وتجهض أي احتمال لسيادة فلسطينية.

كشف تصريح حديث للسفير الأميركي في تل أبيب عمق الانسجام الأيديولوجي بين واشنطن والمشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي. إذ رفض مايك هاكابي مصطلح “الضفة الغربية”، واعتبره “حديثًا وغير دقيق”، مصرًّا على تسميتها بـ”يهودا والسامرة” – الأسماء التوراتية التي تقوم عليها الأساطير المؤسسة لإسرائيل. كما أكد أن القدس هي “العاصمة الأبدية غير القابلة للتقسيم للدولة اليهودية”.

من “يهودا والسامرة” إلى استراتيجية الضم الزاحف

لا تأتي هذه التصريحات بمعزل عن نهج أشمل تتبعه إسرائيل وحلفاؤها الغربيون، يقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض وتسويقها عبر روايات دينية وتاريخية تشرعن تدريجيًا ضم الضفة الغربية. فمنذ سنوات، اعتمدت تل أبيب سياسة توسعية عدوانية قوامها الاستيطان غير الشرعي والضم الزاحف ومحو الهوية الجغرافية والسياسية للأرض الفلسطينية.

مؤخرًا، صادقت السلطات الإسرائيلية على مشروع استيطاني ضخم في قلب الخليل (الخليل/الحرم الإبراهيمي) يشمل مئات الوحدات السكنية إلى جانب المسجد الإبراهيمي، الذي تحوّل معظمه إلى كنيس يهودي.

هذه الاستراتيجية ليست مجرد إدارة عسكرية مؤقتة، بل خطة طويلة الأمد لضم الأرض بحكم الأمر الواقع. عبر “حروب قانونية” واستغلال الآثار والتوسع الاستيطاني والهندسة السياسية، تعيد إسرائيل رسم الجغرافيا والديموغرافيا بما يمحو أي إمكانية لسيادة فلسطينية، لتُدمج الضفة في “أرض إسرائيل التوراتية” وتُجهض المشروع الوطني الفلسطيني.

أسطورة توراتية في مواجهة العلم

ترتكز هذه السياسة على الأسطورة القائلة إن “يهودا والسامرة” هي “الميراث التاريخي للشعب اليهودي”، وهي رواية دينية-قومية تقود اليمين المتطرف والمستوطنين وتشكل المحرك الأيديولوجي لنهب الأرض.

لكن حتى داخل الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية، يلقى هذا الادعاء معارضة قوية. إذ يؤكد عالم الآثار البارز بجامعة تل أبيب، البروفيسور رافي غرينبرغ، أن ما يجري هو “تسليح للآثار”، مشيرًا إلى أن السجل الأثري في فلسطين لا يمنح أي جماعة حقًا حصريًا في الأرض، بل يكشف فسيفساء حضارية متعاقبة: كنعانية ورومانية وبيزنطية ومسيحية وإسلامية.

ويقول غرينبرغ:

“الآثار لا توفر اليقين أو النقاء الذي يبحث عنه وزراء حكومة إثنوقراطية يمينية، ولذلك يضطرون إلى اختراعه. فكرة وجود ثقافة نقية أو متجانسة في أي حقبة تاريخية هي اختلاق محض”.

مراحل السيطرة الإسرائيلية على الضفة

منذ نكبة 1948 مرورًا باحتلال 1967 وحتى اتفاقات أوسلو في التسعينيات، تطورت استراتيجية إسرائيل تجاه الضفة من مراقبة حذرة، إلى إدارة مباشرة، وصولاً إلى هندسة واقع سياسي يضمن أمنها ومصالحها الديموغرافية.

بعد 1967، برزت سياسة وزير الدفاع موشيه دايان المعروفة بـ”سياسة الجسور المفتوحة”، التي سعت لإبقاء الفلسطينيين مرتبطين اقتصاديًا بالأردن وتطبيع الاحتلال في حياتهم اليومية، مقابل تشجيع الهجرة الطوعية. تزامن ذلك مع إطلاق مشروع استيطاني مبدئي في مناطق استراتيجية مثل غور الأردن ومحيط القدس وفق “خطة آلون”.

لاحقًا، ومع صعود منظمة التحرير الفلسطينية، حاولت حكومة الليكود في أواخر السبعينيات الالتفاف على قيادتها عبر “روابط القرى”، التي شكّلت إدارات محلية مدعومة من الاحتلال. غير أن الفلسطينيين قاطعوها باعتبارها أداة للتعاون مع الاحتلال، لتنهار مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987.

أوسلو وتقسيم الضفة

جاءت اتفاقات أوسلو (1993-1995) لتكرّس واقعًا إداريًا جديدًا بتقسيم الضفة إلى:

  • منطقة A (18%) تحت إدارة كاملة للسلطة الفلسطينية.
  • منطقة B (21%) تحت إدارة مدنية فلسطينية وإشراف أمني مشترك.
  • منطقة C (60%+) تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشمل المستوطنات وغور الأردن ومعظم الأراضي الزراعية والموارد.

ركزت إسرائيل بعدها على ترسيخ سيطرتها الدائمة على المنطقة C عبر أدوات قانونية وعلمية، مثل تعديل “قانون الآثار” عام 1978 لتمديد صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية إلى الضفة، ما يسمح بمصادرة الأراضي بذريعة “حماية التراث اليهودي”.

بين القانون والجرافات

تُستخدم هذه الأدوات القانونية والأثرية لمصادرة الأراضي، كما حدث في سلوان بالقدس الشرقية عبر منظمة “إلعاد”، حيث جرى الدمج بين الاستيطان والحفريات الأثرية لمحو الوجود الفلسطيني. والآن تُصدَّر هذه السياسة إلى مناطق مثل سبسطية شمال نابلس، حيث يجري تحويل الموقع الأثري إلى “حديقة قومية إسرائيلية”.

السلطة الفلسطينية كجهاز تابع

تواكب هذه السياسات عمليات اقتحام متكررة وهدم واسع للبنى التحتية واعتداءات المستوطنين تحت حماية الجيش، لخلق بيئة طاردة تدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، خصوصًا في المنطقة C.

في الوقت نفسه، تعمل إسرائيل على إضعاف السلطة الفلسطينية وإبقائها ككيان إداري هش بلا سيادة، أقرب إلى مقاول أمني لإدارة شؤون الفلسطينيين في جيوب معزولة. ومع إحياء محاولات بديلة مثل تمكين زعامات عشائرية أو محلية، يعاد إنتاج مشاريع سابقة فاشلة مثل “روابط القرى”، في محاولة لتفكيك المجتمع الفلسطيني ومنع بروز قيادة وطنية موحدة.

واقع دولة واحدة بنظام فصل عنصري

بدمج الاستيطان، والجغرافيا، والقانون، والآثار، والضغط الديموغرافي، تعمل إسرائيل على تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية. النتيجة هي واقع دولة واحدة بنظام فصل عنصري بين نهر الأردن والبحر المتوسط، حيث الهيمنة لشعب على آخر.

وإذ يتزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، تواصل إسرائيل على الأرض تكريس وقائع تجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق، وتحوّل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة بلا سيادة أو مقومات دولة

المصدر : ذا كريدل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا