الجمعة, أغسطس 21, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتذو القرنين بين العدل القرآني وطوفان الأقصى: قراءة في ضوء الواقع

ذو القرنين بين العدل القرآني وطوفان الأقصى: قراءة في ضوء الواقع

السكة – محطة المقالات
ثامر عبد الغني سباعنه

يمتاز القرآن الكريم بكونه كتاب هداية لا ينفصل عن واقع الإنسان، بل يقدم نماذج وقصصًا تحمل معاني خالدة يمكن إسقاطها على الأحداث المعاصرة. ومن أبرز هذه القصص، قصة ذي القرنين في سورة الكهف، التي ترسم ملامح القيادة العادلة في مواجهة قوى الفساد والظلم. واليوم، ومع ما تشهده غزة في أعقاب معركة “طوفان الأقصى”، يمكن قراءة القصة القرآنية في ضوء ما يجري، لنجد أبعادًا رمزية ومعانٍ ملهمة للصمود والمقاومة.
قال تعالى في سورة الكهف:

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا (84) فَأَتۡبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا (87) وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا (88) ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا (90) كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا (91) ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا (93) قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا (95) ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا (96) فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا (97) قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا (98) .. صدق الله العظيم.

ذو القرنين: نموذج القيادة العادلة

يصف القرآن ذو القرنين كقائد مُمكَّن في الأرض، ومع ذلك لم يكن طاغية، بل جسّد العدل والرحمة: (( قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)) (الكهف: 87-88).
هذه الرؤية تعكس أن القيادة الحقّة ليست قهرًا واستعلاءً، بل إقامة لميزان الحق. وهو ما تفتقده غزة اليوم في مواجهة قيادة احتلالية تمارس أبشع صور الظلم من تجويع وحصار وقصف، في تناقض صارخ مع النموذج القرآني.

بناء السد: حماية المستضعفين

أعظم ما فعله ذو القرنين أنه لبّى نداء المستضعفين الذين شكوا ظلم يأجوج ومأجوج، فبنى لهم سدًا يحميهم (( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا))(الكهف: 95).

هذا الموقف يعكس قيمة عظيمة: نصرة المظلوم والتعاون الجماعي لبناء جدار مقاومة أمام قوى الفساد. وإذا أسقطنا المشهد على غزة، نجد أن الشعب المحاصر يستغيث اليوم بالأمة، تمامًا كما استغاث أولئك القوم بذي القرنين، ليبقى السؤال: من سيبني “السد” في وجه قوى البطش الحديثة؟

النهاية بيد الله

رغم قوة السد، أكد القرآن أن انهياره مرتبط بوعد الله : (( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)) (الكهف: 98). و هذه إشارة واضحة إلى أن القوة البشرية مهما بلغت تظل عاجزة أمام قضاء الله وقدره، وأن الموازين يمكن أن تنقلب في لحظة بإرادة إلهية، ومعركة “طوفان الأقصى” كانت تجسيدًا لهذه الحقيقة؛ حيث فاجأت قوة المستضعفين العالم، وأربكت موازين القوى رغم تفوق العدو عسكريًا.

وفي الختام :

إن قصة ذي القرنين في سورة الكهف ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي رسالة متجددة: العدل أساس القيادة، نصرة المظلوم واجب جماعي، ومصائر الأمم بيد الله وحده. وفي ضوء حرب غزة، تبدو القصة كأنها مرآة تعكس صراع المستضعفين مع قوى الطغيان، لتذكّرنا أن النصر لا يُقاس بالعدة والعدد فقط، بل بالعدل والإيمان والتوكل على الله.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا