السكة – المحطة الدولية – كتب المحرر السياسي
تسري تسريبات سياسية متزايدة تفيد بأن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قد يكون على أعتاب دور جديد في الشرق الأوسط، عبر قيادة هيئة انتقالية لما بعد الحرب في غزة. الفكرة – التي يُقال إنها تحظى بدعم البيت الأبيض وتسعى للحصول على تفويض من الأمم المتحدة – تتمثل في إنشاء «الهيئة الانتقالية الدولية لغزة» (GITA)، كسلطة سياسية وقانونية مؤقتة تدير القطاع لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
إذا تحقق هذا السيناريو، فسيكون بمثابة إعادة إنتاج لتجارب الإدارات الدولية التي أشرفت على التحولات في تيمور الشرقية وكوسوفو. غير أن غزة – بحساسيتها السياسية وتشابك قضاياها مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والإقليمي – تبدو أكثر تعقيداً بكثير.
بلير، الذي ارتبط اسمه بحرب العراق عام 2003 وما أعقبها من انتقادات لاذعة بشأن قراراته ومصداقية الاستخبارات البريطانية، لا يزال شخصية مثيرة للجدل. بعد مغادرته الحكم، عمل مبعوثاً للجنة الرباعية الدولية في الشرق الأوسط، وركّز حينها على مسارات اقتصادية أكثر من انخراطه في الملفات السياسية الجوهرية. اليوم، يطل مجدداً كلاعب محتمل في معادلة غزة، لكن عبر منصة أممية – إذا ما كُتب للخطة أن ترى النور.
حسابات متناقضة
دعم بلير لمقترح كهذا لن يكون سهلاً من دون ضمانات. مكتبه أعلن بوضوح أنه لن يؤيد أي ترتيبات تتضمن تهجير سكان غزة، وهو خط أحمر سياسي وقانوني وأخلاقي. لكن التحدي الأكبر يكمن في التوفيق بين مصالح أطراف عدة: الولايات المتحدة التي تبحث عن «مخرج منظم» للحرب، إسرائيل التي ترفض أي عودة لـ«حماس» إلى الحكم، السلطة الفلسطينية التي ترى في نفسها البديل الشرعي، والعواصم العربية التي تخشى أن تتحول غزة إلى سابقة جديدة في تدويل القضايا العربية.
تعدد المبادرات وضبابية المستقبل
خلال العامين الماضيين، تكدست المبادرات الدولية بشأن مستقبل غزة. بعضها ذهب بعيداً إلى حد اقتراح «ملكية طويلة الأمد» أميركية للقطاع وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، فيما سعت مبادرات أخرى – بدعم عربي أو أوروبي – إلى إعادة إعمار غزة مع بقاء سكانها أو تشكيل لجان إدارية انتقالية تحت مظلة السلطة الفلسطينية. حتى الآن، لم يثبت أي مقترح قدرته على الجمع بين الواقعية السياسية والقبول الشعبي.
بين الاعتراف الدولي والدبلوماسية المعطلة
يأتي النقاش حول دور بلير في لحظة فارقة، بعد أن اعترفت دول غربية – بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا – بدولة فلسطين، في خطوة رمزية لكنها مهمة سياسياً. ومع ذلك، تصر إسرائيل وواشنطن على أن مثل هذه الاعترافات تشكل «مكافأة لحماس»، بينما تتصاعد الضغوط الدولية لإحياء حل الدولتين الذي فقد زخمه منذ سنوات طويلة.
خلاصة
من منظور استراتيجي، فإن أي هيئة انتقالية لغزة – سواء قادها بلير أو أي شخصية أخرى – ستواجه معضلات معقدة: شرعية الحكم، العلاقة مع الفلسطينيين على الأرض، إدارة الملف الأمني، والقدرة على إرساء مسار سياسي قابل للحياة. التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وكوسوفو تقدم دروساً متناقضة: النجاح ممكن لكنه محفوف بمخاطر الفشل والانزلاق إلى صراع مفتوح.
باختصار، دخول بلير على خط غزة ليس مجرد عودة شخصية مثيرة للجدل إلى المشهد، بل هو اختبار جديد لفكرة «التدويل» في صراع لم تفلح عقود من الوساطات التقليدية في حله

