السكة – محطة عرب تكساس
في ضربة قضائية جديدة لإرث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصدر القاضي الفيدرالي ويليام يونغ في بوسطن، وهو قاضٍ عيّنه الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان، حكمًا وصف بالصارم ضد سياسة استهدفت طلابًا وأكاديميين أجانب بسبب نشاطهم المؤيد لفلسطين.
القاضي اعتبر أن سياسة الإدارة ، القائمة على إلغاء تأشيرات وترحيل أشخاص لمجرد مواقفهم السياسية، انتهاك صريح للتعديل الأول من الدستور الأميركي، الذي يضمن حرية التعبير. وقال يونغ في حيثيات حكمه:
“هذا الملف يطرح سؤالًا دستوريًا واضحًا: هل يملك غير المواطنين المقيمين بشكل قانوني في الولايات المتحدة الحقوق نفسها في التعبير السياسي مثل المواطنين؟ المحكمة تجيب بلا مواربة: نعم، يملكونها. فعبارة ’لا قانون‘ تعني ببساطة ’لا قانون‘.”
القضية رفعتها منظمات أكاديمية بارزة مثل الرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات وجمعية دراسات الشرق الأوسط، بعد سلسلة من قرارات سحب التأشيرات وإجراءات الترحيل التي استهدفت ناشطين وأكاديميين في الجامعات الأميركية.
أبعاد سياسية وقانونية
- قانونيًا: الحكم يفتح الباب لمراجعة أوسع لسياسات الهجرة والأمن القومي عندما تتعارض مع حرية التعبير، ما قد يضع قيودًا على قدرة أي إدارة مستقبلية على استخدام ملف التأشيرات أداةً للضغط السياسي.
- سياسيًا: القرار يضعف خطاب ترامب وحلفائه الذين صوّروا النشاطات المؤيدة لفلسطين باعتبارها تهديدًا أمنيًا، ويعزز موقع الجامعات والجماعات الحقوقية التي طالبت بالحماية الأكاديمية.
- رمزيًا: صدور الحكم عن قاضٍ جمهوري يضعف سردية ترامب بأن الاعتراض على سياساته مجرد انحياز “ليبرالي”.
ردود فعل واسعة
الجامعات والمؤسسات الأكاديمية
- المجلس الأميركي للتعليم (ACE) طالب الحكومة الفيدرالية بالشفافية في أسباب سحب التأشيرات، محذرًا من أن استهداف الطلاب على خلفية آرائهم يضرّ بسمعة التعليم العالي الأميركي عالميًا.
- جامعة توفتس أعربت عن قلقها من اعتقال طالبة لديها وتصوير الواقعة، مؤكدة أن نشاطها لم يخالف سياسات الجامعة.
- جامعة هارفارد كانت قد رفعت دعوى قضائية سابقة ضد إدارة ترامب دفاعًا عن حقها في استضافة طلاب دوليين، معتبرة التدخل في هذا الملف تعديًا على حرية المؤسسة الأكاديمية.
- رئيس جامعة كاليفورنيا – UCLA حذر من “خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها”، مثل التدخل في سياسات القبول أو البحث العلمي، مؤكدًا أن استقلالية الجامعات غير قابلة للمساومة.
الطلاب والأكاديميون
- عبر العديد من الطلاب الدوليين عن شعور بالقلق وعدم اليقين، إذ يخشون أن تُلغى تأشيراتهم فجأة أو يواجهوا الترحيل عند السفر. بعضهم تحدث عن عزمه مغادرة الولايات المتحدة بعد التخرج خوفًا من المستقبل المجهول.
- أكاديميون أقروا بأنهم مارسوا الرقابة الذاتية على أنفسهم، وامتنعوا عن التعبير العلني عن مواقفهم السياسية، خصوصًا بشأن القضية الفلسطينية، خشية أن يُستخدم ذلك ضدهم في ملفات الهجرة.
الحكومة الفيدرالية
- وزارة العدل دافعت عن السياسة، مؤكدة أنها بُنيت على “اعتبارات أمنية” لا على أسس أيديولوجية، ومن المتوقع أن تستأنف الحكومة القرار أمام محكمة أعلى.
- في وقت سابق من هذا العام، اضطرت السلطات للتراجع جزئيًا عن بعض قرارات الترحيل بعد ضغوط قضائية، في إشارة إلى أن المسار التنفيذي لم يكن محصنًا من الطعن القانوني.
خلفية تاريخية: حرية التعبير لغير المواطنين
القانون الأميركي طالما ميّز بين حقوق المواطنين والأجانب في بعض المجالات، لكن التعديل الأول ظل قضية إشكالية:
- عام 1945، أكدت المحكمة العليا في قضية Bridges v. Wixon أن الأجانب المقيمين بشكل قانوني يملكون الحق في التعبير السياسي دون أن يواجهوا الترحيل لمجرد آرائهم.
- في قضايا لاحقة، كقضية Kleindienst v. Mandel عام 1972، سمحت المحكمة للحكومة بتقييد دخول أجانب محددين لدواعٍ “مشروعة”، لكن لم تمنحها سلطة مطلقة في قمع الخطاب.
- حكم القاضي يونغ يعيد التأكيد على هذا المبدأ التاريخي: الدستور يحمي حرية التعبير للجميع داخل الأراضي الأميركية، مواطنين كانوا أو أجانب.
قرار بوسطن يشكل انتصارًا قانونيًا للأوساط الأكاديمية والحقوقية، ورسالة سياسية قوية بأن الدستور الأميركي لا يتسامح مع استغلال الهجرة كسلاح لإسكات الأصوات المعارضة. لكنه في الوقت نفسه يفتح مواجهة جديدة بين السلطة القضائية والإدارة السابقة وحلفائها الجمهوريين، وربما يصل إلى المحكمة العليا لحسم المسألة.
بالنسبة للطلاب والأكاديميين الأجانب، يمثل الحكم بارقة أمل بأن الجامعات الأميركية ستظل فضاءً مفتوحًا للنقاش الحر، بعيدًا عن قيود السياسة وأدواتها العقابية

